أفريقيا برس – الجزائر. أثار قرار رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون توسيع استعمال النشيد الوطني “قسما” الذي يضم مقطعا يذكر فرنسا الاستعمارية وبالاسم ويتوعدها بيوم الحساب، حفيظة الجانب الفرنسي، حيث عبرت وزيرة خارجية فرنسا كاترين كولونا مؤخرا عن امتعاضها من القرار وصرحت بأن المقطع مرّ عليه الوقت ويعبر عن فترة تاريخية مختلفة عن الوضع الحالي الذي يشهد فترة تقارب بين البلدين. حاولت “الخبر” رفقة مؤرخين تحليل التصريحات الفرنسية وربطها بتاريخ العلاقة بين البلدين.
قال الدكتور رابح لونيسي من جامعة وهران في الموضوع، بأن هناك قضايا مشابهة عرفتها العلاقات الجزائرية – الفرنسية منذ 1962 دون أن يكون لها تأثير كبير على هذه العلاقات، وذكر أنها عادة ما تظهر كلما وقع خلاف حول مسائل سياسية أو اقتصادية أو جيواستراتيجية بين الدولتين، فبدل مواجهة الخلاف مباشرة يتم الالتفاف عليه بطرح مثل هذه القضايا ثم تختفي بمجرد ما يتم حل الخلاف، فتعود العلاقات إلى طبيعتها، لتتكرر – حسبه – المسألة مرة أخرى عند نشوب أي خلاف آخر “ويمكننا أن نسرد الكثير من الأمثلة في ذلك منذ 1962 إلى اليوم”.
وصرح “فما ورد حول النشيد الوطني هو توقيع الرئيس تبون على مرسوم يحدد المناسبات التي يتم فيها إنشاد المقاطع، سواء كلها بما فيها الخاص بفرنسا، أو مقطعين فقط، وهو في الحقيقة تعديل لمرسوم رئاسي قديم صدر عام 1986 حيث تم توسيع هذه المناسبات في المرسوم الأخير”. وأضاف “لكن جاء هذا المرسوم في إطار خلاف كبير في العلاقات الجزائرية الفرنسية، غذته عدة أطراف لا تريد التوقيع على الشراكة الإستراتيجية بين الدولتين، كما تعهد بذلك كل من الرئيسين، تبون وماكرون”.
وأوضح لونيسي بأن هناك لوبيات وسياسيين ونوابا في فرنسا يريدون إفشال هذه العلاقات وتأزيمها خدمة لدولة جارة معادية للجزائر، فقد ظهرت – حسبه – بجلاء مع تصويت نواب في البرلمان الأوروبي من حزب ماكرون على اللائحة الخاصة بالحريات في الجزائر، ثم تبعتها مقالات وتصريحات، خاصة في يومية “الفيغارو” اليمينية تطالب بإعادة النظر في المعاهدة الخاصة بالمهاجرين 1968.
واسترسل بأنه قد جاء ذلك من سياسيين تابعين لليمين المتطرف، بل حتى اليمين العادي مثل السفير الفرنسي السابق في الجزائر كازافييه دريانكور، لكن أخطرها، يقول لونيسي، كانت من إدوارد فيليب المقرب من ماكرون، وكان وزيره الأول منذ سنوات، ويمكن أن يترشح للرئاسيات القادمة.
واعتبر لونيسي طرح مسألة المعاهدة الخاصة بالمهاجرين الجزائريين 1968 المنبثقة عن اتفاقيات إيفيان 1962؛ يدخل في الحقيقة في إطار دبلوماسية الربط. فمقابل طرح الجزائر قضية الذاكرة والاعتراف بجرائمها، طرحت فرنسا مسألة المعاهدة الخاصة بالمهاجرين كأداة ضغط على الجزائر، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى إعادة النظر في الكثير من المعاهدات والاتفاقيات أو تقديم تنازلات متبادلة.
وحسب لونيسي، فقد ظهرت هذه الأطراف المعادية لأي تقارب فرنسي – جزائري بعد زيارة تبون إلى روسيا حيث استغلت هذه الأطراف ذلك لتصوير هذه الزيارة أنها موجهة ضد الغرب عامة وفرنسا خاصة؛ “فكان رواء هذا الترويج نظام المخزن في المغرب الأقصى ولوبيات سياسية وإعلامية فرنسية حليفة له.. فنظام المخزن يحاول دائما تصوير الجزائر كحليفة لروسيا ومعادية للغرب كي تستفيد من ذلك في صراعها مع الجزائر”، بل روجت – حسبه – عدة مرات بأن الجزائر حليفة أيضا حتى لإيران، وأن هناك محور طهران – الجزائر.
يرى لونيسي بأن هذه الأطراف الفرنسية، ووراءها المخزن، تروج أن الرئيس تبون زار عمدا روسيا في الوقت الذي كان يجب فيه زيارة فرنسا، متناسين بأن حتى زيارته إلى روسيا تأجلت عدة مرات مثلها مثل زيارته لفرنسا، فالجزائر تريد علاقات شراكة إستراتيجية مع الجميع، لكن بندية ومبدأ رابح رابح.. وأن الجزائر في عهد الرئيس تبون تركز أكثر على الاقتصاد والتكنولوجيا، وهو ما يظهر بجلاء في زياراته سواء إلى روسيا أو إيطاليا والبرتغال من قبل: “فنحن نعلم أن وراء هذا الترويج هي أطراف فرنسية تريد إفشال هذه الزيارة خدمة للمغرب لا غير، المعروفة بإرشائها الكثير من النواب الأوروبيين والسياسيين الفرنسيين”.
كما تجاهل هؤلاء المروجين لهذه الأكاذيب، يضيف الدكتور لونيسي، مبدأ أساسيا؛ وهو أن الجزائر ملتزمة بالحياد الإيجابي الذي هو مبدأ أساسي في السياسة الخارجية الجزائرية منذ الثورة التحريرية”.
وبعودته إلى تصريح وزير خارجية فرنسا كاترين كولونا التي هي من أنصار توطيد العلاقات الجزائرية – الفرنسية، صرح لونيسي بأنها إن قالت عن نشيدنا الوطني بأنه وضع في ظروف معينة، فهي معناها أنها لا تريد أن تجعل من ذلك قضية تعرقل هذه العلاقات، لأنها أضافت في الكلام نفسه الملاحظة نفسها عن نشيد “لامارسياز” الفرنسي التي قالت عنه أيضا إنه وضع في ظروف معينة، وأضافت بأن نشيد “لامارسياز” يحمل أيضا دعوة للحروب ضد الآخرين، بل حتى مقاطع عنصرية عندما يصف الدم الفرنسي بالطاهر مقارنة بدماء الشعوب الأخرى.
فرنسا بهذا الإجراء تريد تسجيل بعض النقاط التاريخية على الجزائر
قال الدكتور عبد الحميد دليوح جامعة الجزائر 2: إن فرنسا لما اعترفت باستقلال الجزائر في جويلية 1962 كانت تعرف أن هذا هو نشيد الدولة الجزائرية، وكان لمدة ستين سنة هو النشيد الوطني المعترف به في الجزائر، واعتبر دليوح إثارة مثل هذه المواضيع وفي هذه الفترة بالذات يعيدنا إلى ذلك السياق المتمثل في تسييس التاريخ، بالنسبة للطرف الفرنسي إذا كان يصعد هذا المطلب بالذات، فعليه الأخذ بعين الاعتبار المطالب التاريخية الجزائرية، من بينها الأرشيف “التفجيرات النووية، جرائم التعذيب”، عندها – حسبه – ربما يكون لهم الحق في إدراج هذا المطلب من الجانب الفرنسي. أما أن تكون المطالبة فقط من جهتنا والطرف الجزائري هو الذي دائما يقدم التنازلات، فهذا يبقى أمرا مرفوضا”، مسترسلا “وإذا كانت فرنسا تطالب الضحية بالتماس الأعذار وتبييض صفحة الجلاد يبقى أمرا مرفوضا علميا وتاريخيا وسياسيا، وإذا كانت فرنسا تريد فتح صفحة جديدة في علاقتها مع الجزائر يجب عليها طي الصفحة التاريخية تماما، وليكن ذلك، فيجب عليها الخوض في ملف الذاكرة وجرائمها بشجاعة وفتحه ملفا كاملا غير منقوص”.
ويعتقد دليوح أن اللعب على وتر التاريخ، كما أسماه، يبقى توظيفا سياسيا مرفوضا، خاصة من الجانب الفرنسي، الجزائر خطت خطوات في سبيل فتح ملف الذاكرة بقرار رئيس الجمهورية تنصيب لجنة الذاكرة للتفاوض مع الجانب الفرنسي، ونلاحظ أن هناك تماطلا في الجانب الفرنسي “إذن الكرة في مرماهم وإذا أرادوا مصالحة مع الجزائر، فالملف لن يفتح من جانب الجزائر فقط.. وإذا كان مقطع في النشيد الوطني الجزائري مذكورا في سياق تاريخي معين، وهو الثورة، حيث أنه كتب سنة 1956، وفرنسا تعي ذلك جيدا، فعليهم فتح ملف المصالحة التاريخية مع الجزائر ملفا كاملا”.
وأضاف “أين نضع هذا المطلب الفرنسي بإزالة اسمها من النشيد الوطني بكم المطالب الجزائرية التاريخية في هذا الملف، يجب معالجة الملف كاملا”، مؤكدا أن فرنسا بهذا الإجراء تريد أن تسجل بعض النقاط على الجزائر، خاصة في هذه القضية التاريخية على أساس أن النشيد الوطني يحمل الوعيد والتهديد لفرنسا، وهم يدركون أن المقصود هنا في سياقه التاريخي، وهي فرنسا الكولونيالية الاستعمارية التي خرجت بعدة هزائم “سياسية وعسكرية ودبلوماسية من الجزائر”. لذلك، لا داعي، حسبه، لرفع مثل هذه المطالب والنشيد الوطني من 1962 وهو يحمل هذا المقطع.
المرسوم الرئاسي يعتبر تصعيدا تاريخيا ودبلوماسيا من الجزائر
ذكر الدكتور عبد القادر قوبع، من جامعة الجلفة، أن رد الفعل الرسمي على المستوى الرسمي تجاه المرسوم الرئاسي الجزائري القاضي بإعادة مقطع البيت الشعري في النشيد الوطني، كان أمرا منتظرا، مثلما حصل قبيل اتفاقيات إيفيان: “ويمكن بسهولة تصور حجم الانزعاج الفرنسي من هذا البيت الشعري الذي يذكر فرنسا بصراحة؛ لأن صورة فرنسا أمام دول العالم ظلت تعاني من عقدة جرائمها البشعة وتاريخها الأسود في الجزائر المستعمرة”. وأصبحت جرائم فرنسا في الجزائر، حسبه، مادة دسمة لصحافة البلدان المعادية لفرنسا والراغبة في فضحها، ولعل المثال التركي خير دليل على ذلك”.
ويعتقد قوبع بأن إعادة عزف وتلاوة هذا البيت الشعري في المحافل الدولية والإقليمية والمناسبات، سيصبح تذكارا مسموعا متكررا ومذكرا بما اقترفته السلطات الفرنسية في الجزائر طيلة 132 سنة. وبالنسبة للطرف الجزائري، يقول، فإصدار مرسوم رئاسي بإعادة هذا المقطع؛ هو رسالة سياسية قوية بأن الإيمان الجزائري بمسألة الاعتراف والاعتذار الفرنسي هو إيمان عميق، ومبدأ ثابت في أي مفاوضات جزائرية فرنسية مأمولة. كما أن هذا المرسوم الرئاسي، حسبه، يعتبر تصعيدا سياسيا ودبلوماسيا وتاريخيا بالغ القوة والأثر انطلاقا من موقع صدوره: “وقد يُعبر عن حالة غضب جزائري تجاه المماطلة الفرنسية حول ملفات الذاكرة المشتركة ورفض لكل تفاوض لا يمر عبر تسوية ملفات الذاكرة والتاريخ”.
ويعتقد قوبع بأن السلطات الفرنسية ستسارع على أعلى مستوى لفتح باب التفاوض مع السلطات الجزائرية في سبيل حذف هذا المقطع وتجاوز الضجة الإعلامية التي أثارها، وأثار معها ملفات الجرائم الفرنسية في الجزائر، التي ستؤثر على صورة فرنسا التي تحرص على الظهور بها كعاصمة للقوانين ولحقوق الإنسان.
التصريحات العدائية وجه من أوجه التشويش على جدية العلاقات بين البلدين
وصف الدكتور حميد قريتلي من جامعة يحيى فارس بالمدية، تصريحات وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا بالاستفزازية كشفت عن حقيقة النوايا السياسية لفرنسا التي لم تتخلص من عقدتها الاستعلائية ولم تتجاوز القاعدة الاستعمارية التي ترتكز على محاولة فرض منطق الغالب، وهي بمثابة حلقة من الحلقات الاستفزازية المقصودة، وجاءت أيضا في سياق التوتر الذي تشهده العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وترافقه حملة عدائية تقودها نخب وأحزاب سياسية متطرفة.
أوضح قريتلي أن هذا النشيد الذي ظهر تلبية لمتطلبات المشروع السيادي، دعا إليه قادة الثورة وكتبه شاعر الثورة التحريرية مفدي زكريا بسجن بربروس في 25 أفريل 1955م، وكانت هناك محاولات لتلحينه، كانت البداية مع الفنان الجزائري محمد التوري، ثم الموسيقار التونسي محمد التريكي، ليستقر الأمر على اختيار الموسيقار المصري محمد فوزي لتلحين النشيد الوطني الجزائري، ويتم اعتماده بشكل رسمي، وقال إن النشيد الوطني يتألف من خمسة مقاطع، والمستهدف منها من خلال التصريحات الاستفزازية المقطع الثالث:
يا فرنسا قد مضى وقت العتاب ** وطويناه كما يطوى الكتاب
يا فرنسا أن ذا يوم الحساب ** فاستعدي وخذي منا الجواب
إن في ثورتنا فصل الخطاب ** وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
أكد الدكتور بأن سجل المحارق والمذابح والنفي والقتل والتعذيب، يمثل الصورة التي لا يمكن أن تخرج عن الزمن، والنشيد الوطني برمزيته سيظل شاهدا على أكبر الجرائم اللاإنسانية خاضتها البربرية الاستعمارية في حق الشعب الجزائري. كما أن النشيد الوطني، يضيف المتحدث، بمقاطعه الخمسة غير قابل للحذف أو التغيير؛ لأنه كان تعبيرا صادقا وعميقا عن طموح شعب سعى إلى الاستقلال واستعادة السيادة الوطنية، فآن الأوان لفرنسا أن تعترف بأن الطرف الجزائري أصبح في ندية على طاولة المعركة التي لم تنته أمام ملف الذاكرة.
المصدر: الخبر
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر اليوم عبر موقع أفريقيا برس





