أفريقيا برس – الجزائر. في مقال جديد نشره على صفحات الصحيفة الفرنسية “لوفيغارو” أول أمس، حاول السفير الفرنسي السابق لدى الجزائر، كزافيي دريانكور، تبرير ارتباك الدبلوماسية الفرنسية وفشلها في تسيير ملف العلاقات مع الجزائر، بإلقاء اللوم على الداخل الفرنسي، تحديدا على الجالية الجزائرية ببلاده.
ما يبدو تحليلا عقلانيا في ظاهره لا يخلو في باطنه من تحامل أيديولوجي وتغافل متعمد عن الحقائق التاريخية، فخلف الخطاب المتوازن الذي حاول تمريره يخفي منطقا استعلائيا يعكس أزمة نخبة فرنسية ترفض الاعتراف بوزن ماضيها الاستعماري البغيض وبأن زمن الوصاية قد ولى.
يرى دريانكور في منشوره الجديد أن السياسة الخارجية الفرنسية تجاه الجزائر والكيان الصهيوني باتت أسيرة لمخاوف داخلية، خاصة ما يتعلق بالجالية الجزائرية والخوف من اضطرابات الضواحي، ما أدى، حسب رأيه، إلى دبلوماسية فرنسية مترددة وغير حازمة. لكن الدبلوماسي السابق، في المقابل، يتجاهل السياق التاريخي للاستعمار الفرنسي في الجزائر ويتعامل مع وجود الجالية الجزائرية في فرنسا كعامل تهديد، وهو ما يعد اختزالا خطيرا للواقع وتغذية لخطاب اليمين المتطرف.
التحليل الذي يقدمه دريانكور يعكس أزمة فهم عميقة داخل النخبة الفرنسية، إذ يُحمّل الداخل مسؤولية تخبط الدبلوماسية بدل الاعتراف بإخفاق النخب في رسم رؤية واضحة للعالم الجديد، كما أن مقارنته بين الجزائر والكيان تعكس انحيازا أيديولوجيا وتغاضيا عن الجرائم الصهيونية في غزة، وهو ما يفقد تحليله الاتزان الأخلاقي والسياسي.
في جوهره، يكشف مقال دريانكور ليس عن عجز دبلوماسي، بل عن نخبة مأزومة عاجزة عن تجاوز ماضيها أو مواجهة حاضرها بتواضع وواقعية.
فبعض الساسة والدبلوماسيين الفرنسيين الذين دأبوا على نفث سمومهم على كل ما يرمز إلى الجزائري الرافض للوصاية الاستعمارية، على رأسهم كزافيي دريانكور، يحاولون تبرير ضعف السياسة الخارجية الفرنسية تجاه الجزائر من خلال ربطها بالوضع الداخلي المتأزم في فرنسا، وبخاصة الخوف من الجالية الجزائرية و”العنف في الضواحي”. هذا الطرح يعكس أزمة أعمق داخل النخبة الفرنسية، التي لم تتجاوز بعد تبعات الماضي الاستعماري ولم تُحسن قراءة تحولات العالم ومكانة فرنسا فيه، ما يجعلها تتعامل مع الجزائر بنظرة فوقية أو دفاعية بدلا من مقاربة شراكة ندية ومسؤولة.
الخطاب الذي يختزل العلاقة مع الجزائر في هواجس داخلية أو انتخابية ويتغاضى عن الحقائق التاريخية لا يخدم سوى تغذية السرديات اليمينية المتطرفة داخل فرنسا.
والمطلوب من باريس ليس اتهام “الخارج”، بل مصارحة مع الذات ومراجعة شجاعة لتاريخها لبناء سياسة خارجية واضحة تحترم سيادة الآخرين وتقوم على الاحترام المتبادل، بينما تمضي الجزائر بثبات في خياراتها السيادية وتوسيع شراكاتها الدولية.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس