أفريقيا برس – الجزائر. قلل الباحث في التاريخ الاستعماري بجامعة إكستر البريطانية، حسني قيطوني، من مشروعي قانونين صوت عليهما مجلس الشيوخ الفرنسي نهاية الشهر المنصرم، مرتبطان بملف الذاكرة العالق بين الجزائر وباريس، يتعلق أولهما باستعادة ممتلكات تاريخية، والثاني بمسألة التجارب النووية في الصحراء.
واعتبر حسني قيطوني، أن ما قامت به الغرفة العليا للبرلمان الفرنسي، إجراء شكلي لا ينبغي التهليل له، طالما أن القرار السياسي هو الذي يهيمن على المسائل المتعلقة بالذاكرة، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بالجزائر، التي تبقى جرحا غائرا في جسد الدولة الفرنسية، حيث لا تزال الكثير من الأوساط اليمينية واليمينية المتطرفة، لم تهضم بعد استقلال الجزائر.
وقد حاولت أوساط إعلامية فرنسية تصوير ما قام به مجلس الشيوخ الفرنسي على أنه إنجاز من شأنه أن يزيل عقبات في طريق استعادة الدفء في علاقات فرنسا بمستعمراتها السابقة، والتي تعيش وضعا غير مسبوق منذ موجة الاستقلال التي اجتاحت القارة الإفريقية خاصة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
ويعترف مشروع القانون الذي يتعلق بإعادة الممتلكات الثقافية القادمة من دول تعرضت للاستعمار الفرنسي، بأن جيوش الاحتلال الفرنسية “استحوذت بطريقة غير مشروعة” على ممتلكات هذه المستعمرات، غير أن هذا المشروع لا يزال يحتاج إلى مصادقة الجمعية الوطنية الفرنسية (الغرفة السفلى للبرلمان)، كيف يصبح قانونا.
ويهدف هذا المشروع القانوني، حسب الباحث الجزائري في التاريخ الاستعماري، إلى السماح بإخراج الممتلكات الثقافية المنهوبة من المستعمرات الفرنسية من المتاحف الفرنسية، غير أن تسليمها للدول التي نهبت منها، يبقى قرارا سياسيا على أعلى مستوى.
وأوضح قيطوني أن القانون في حال اعتماده من قبل الغرفة البرلمانية الثانية، سيسمح بإخراج بعض ما تطالب به الجزائر من المتاحف الفرنسية، لأن القانون الفرنسي يعتبرها جزءا من الملكية العامة غير قابلة للتصرف، مثل متعلقات الأمير عبد القادر (برنوسه وسيفه ومصحفه)، ومدفع بابا مرزوق الذي سرقه جيش الاحتلال من الجزائر، وهو منتصب اليوم في مدينة براست الفرنسية، في حين أن تسليمها يبقى رهينة قرار سياسي آخر.
وبرأي المؤرخ، فإن المشكل بين الجزائر وفرنسا أبعد من مجرد سن قانون يتيح إخراج المنهوبات الجزائرية من المتاحف الفرنسية، فهو يتمحور حول تراكمات ثقيلة موروثة منذ عقود، وهو الأمر الذي لم يتمكن الفرنسيون من تجاوزه بالرغم من أن الواقع السياسي يؤكد حقيقة لا يمكن القفز عليها، وهي أن الجزائريين حصلوا على استقلالهم بكل قوة وعزيمة، رغم العقبات الكبيرة التي واجهت طريقهم، مشيرا إلى أن باريس تنظر إلى الجزائريين على أنهم بوعلام صنصال وكمال داود، في حين أن الوقع عكس ذلك تماما.
وعلى الرغم من أن القانونين الموجودين حاليا على مستوى الجمعية الوطنية الفرنسية، يشيران إلى ممتلكات جميع الدول التي تعرضت للاستعمار الفرنسي، إلا أن الجزائر تبقى المستهدف الأول، على اعتبار أنها الدولة الوحيدة التي تطالب بقوة باستعادة ما سرق منها خلال الحقبة الاستعمارية، لأن مشاكل فرنسا الحقيقية على صعيد الذاكرة موجودة مع الجزائر وليس مع غيرها، بدليل الأزمة السياسية والدبلوماسية غير المسبوقة التي تعصف حاليا بالعلاقات الثنائية.
ويعتقد المحلل أن الساسة في فرنسا لا يزالون يحركهم منطق الأقوى هو الذي يقرر، وهذا برأيه هو سبب الأزمة التي تضرب العلاقات بين البلدين، فهم يرفضون الموافقة على المطالب الجزائرية “تحت الضغط”، في الوقت الذي تجنبت دول أخرى هذا الأسلوب في التعاطي مع مستعمراتها السابقة، مثل بلجيكا وبريطانيا وألمانيا، وهو ما يفسر وجود علاقات متأزمة اليوم بين فرنسا ومستعمراتها السابقة، عكس بقية البلدان الاستعمارية الأخرى.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس





