أفريقيا برس – الجزائر. سلطت محكمة الجنايات الابتدائية للدار البيضاء بالجزائر العاصمة، مساء الإثنين، عقوبة 20 سنة حبسا نافذا في حق المتهمين المتابعين في ملف جوسسة ثقيل، يهدف إلى الإضرار بالاقتصاد الوطني والمساس بأمن الدولة الجزائرية، من خلال تسريب معلومات أمنية وأخرى اقتصادية لجهات أجنبية، تورط فيه أحد فروع شركة فرنسية تمارس نشاطات مشبوهة ومموهة تحت غطاء الحراسة والأمن.
وفي التفاصيل التي نطق بها قاضي محكمة الجنايات الابتدائية للدار البيضاء، الاثنين في حدود الساعة السادسة مساء، فقد حكم بأقصى عقوبات في حق المتهمين المتابعين في ملف “الجوسسة وتسريب المعلومات لجهات أجنبية” من خلال توقيع عقوبة 20 سنة حبسا نافذا و200 ألف دينار جزائري في حق كل من المتهمين الموقوفين “ز.عثمان” و”خ.زواوي”، مسؤولين بفرع الشركة الأمنية الفرنسية “أورل أمارونت أنترناسيونال ألجيري”، فيما تم إدانة المتهمة غير الموقوفة “و.صبرينة” بعام حبسا نافذا عن جنحة عدم تبليغ السلطات عن الوقائع.
وقد مثل المتهمون أمام محكمة الجنايات الابتدائية في الدار البيضاء، عن تهم خطيرة، تتعلق بجناية جمع وتسليم معلومات لجهات أجنبية من شأنها الإضرار بالاقتصاد الوطني، وجنحتي ممارسة نشاط تجاري خارج عن موضوع السجل التجاري وممارسة نشاط تجاري من دون رخصة ومخالفة قرار.
وخلال استجواب المتهمين من طرف هيئة محكمة الجنايات، أنكروا التهم الموجهة إليهم، فيما واجههم القاضي بوقائع تعتبر قرائن وأدلة تقنية لا يمكن الطعن فيها، ناتجة عن الخبرة التقنية المنجزة على أجهزة الهاتف والحاسوب الخاصة بالمتهمين تتمثل في إرسال معلومات وتقارير مفصلة أسبوعية والمسجلة عبر مختلف ولايات الوطن، إلى مسيّرين بشركات أجنبية، أغلبهم ضباطا فرنسيين في الاستعلامات، تتضمن وقائع أمنية واقتصادية واجتماعية.
وبالمقابل، كشفت جلسة المحاكمة، من خلال اعتراف أحد المتهمين وهو ضابط أمني متقاعد، أن مهمته تتمثل في تقديم الاستشارة ومرافقة الأجانب في تنقلاتهم بالجزائر، إلا أنه كان يقوم بمهمة أخرى وهي جمع المعلومات وتدوينها على شكل تقارير مكتوبة مفصلة، على غرار العمليات الشرطية التي تقوم بها مختلف وحدات ومصالح الأمن الوطني والدرك الوطني، وكذا الحصائل الأسبوعية والشهرية لمفارز الجيش الوطني الشعبي، إلى جانب إرسال خرائط أمنية تتضمن مستويات الأمن في الجزائر من الخطيرة إلى الآمنة وأخرى تتعلق بمنطقة الساحل.
وفي إطار محاولة ضرب الاقتصاد الوطني، فإن المتهم أكد أنهم يقومون بجمع المعلومات والمعطيات المتعلقة بالمنتديات ولقاءات الشركات الجزائرية مع الشركاء الأجانب في مجال الاستثمار، وكذا تصنيفات مضللة لإقناع الشركات الأجنبية بالعزوف عن الاستثمار في الجزائر، مما يؤدي لا محالة إلى الإضرار بالاقتصاد الوطني.
كما حاصر القاضي المتهم الأول من خلال استظهاره لخريطة أمنية أرسلها عن طريق الشركة التي يسيرها إلى شركات أجنبية، على غرار فواتير ممضاة من طرفه، خارج المهام الموكلة له، رغم أن الشركة تم غلقها وفق قرار ولائي بتاريخ 24 ديسمبر 2023، إلا أن المتهم حاول مراوغة هيئة المحكمة مبررا فعله بتوفر الخريطة على موقع القنصلية الفرنسية، وأنه قام بإرسالها لغرض التوجيه والإرشاد.
ومعلوم أن وقائع ملف الحال، حسب ما انفردت به “الشروق” في وقت سابق، قد حققت فيها مصالح فرقة مكافحة الجرائم الاقتصادية والمالية، بناء على تقرير مفصل حول النشاط المشبوه للمؤسسة ذات الشخص وذات المسؤولية المحدودة “أورل ـ أمارونت أنترناسيونال الجزائر” لمسيرها “ز.ع”، بدءا من تاريخ 17 مارس 2024، إذ تبين أنّ مسؤولين بها يقومون بمزاولة نشاطهم على مستوى مقر إقامتهم عبر التواصل بالشركة الأم الفرنسية ذات الأسهم “AMARANTE” المسماة “أنترناسيونال”SAS رغم قرار الغلق الإداري الصادر عن السلطات الإدارية المختصة ضد الشركة، بعد ما كشفت عملية البحث على مستوى بطاقية الإعلام الآلي والبطاقية الوطنية للمتعاملين الاقتصاديين أن هذه الشركة كانت مقيدة على مستوى المركز الوطني للسجل التجاري تحت رقم 09 ب 1002796، بتاريخ 15 جوان 2009 لممارسة نشاطات تتمثل في مكتب الدراسات والتنظيم، دراسة الأسواق واستقصاءات، وكذا مكتب استشارة ودراسة ومساعدة في مجال الاستثمار ليتم تغيير نشاطها عدة مرات بطريقة غير قانونية لتتحول في الأخير إلى مصدر لتسريب المعلومات وإرسال تقارير مفصلة عن الحالة الأمنية والوضع الاقتصادي في الجزائر نحو جهات أجنبية معادية.
وقد توصلت التحقيقات إلى أن التقارير المرسلة شملت عمليات الشرطة المسجلة عبر مختلف الولايات، وهذه المعلومات ليس لها علاقة بموضوع نشاط شركة “أمارونت”، كما تبين أيضا أن هذه الأخيرة قامت بأعمال الأمن والحراسة من خلال تجنيد مستخدمين للقيام بمهام سرية تتمثل في تثبيت محيط الأمن في مدخل التسجيل، ومراقبة وحراسة الطائرة أثناء فترة توقفها، وكذا فحص الأمتعة بالمقصورة ووضع عون أمن على مستوى حيز وبوابة الطائرة الفرنسية على أرض المطار، والتكفل بفرز الأمتعة وغيرها من مهام الحراسة التي لا تدخل ضمن رمز السجل التجاري، وهو ما أكده الموظفون القائمون بهذه المهام.
والأخطر من ذلك، فقد خلصت التحريات إلى قيام مسؤولي وموظفي هذه الشركة بإرسال الخريطة الأمنية المتضمنة مستويات الأمن في الجزائر من الخطيرة إلى الآمنة إلى مختلف الشركات الأجنبية، بهدف الإضرار بالاقتصاد الوطني، وعزوف الأجانب عن الاستثمار بالجزائر، كما تبين في نفس السياق أن المتهمين المتابعين في ملف الحال، قاموا بتزويد هذه الشركات الأجنبية بمعلومات تدخل في خانة “السرية الأمنية”، من خلال إرسال معلومات عن مناطق لا تنشط فيها أصلا الشركات الأجنبية وهو ما يعزز قرينة استعمال هذه المعلومات لأغراض خارجة عن المهمة المخولة لهؤلاء المتهمين.
وبالمقابل، فقد أسفرت التحقيقات الأمنية والقضائية عن استعمال موظفي الشركة لأجهزة اتصال من دون رخصة من الجهة المعنية، وهذا داخل محيط مطاري هواري بومدين ووهران، وهو ما يشكل مساسا بأمن المرفقين ومرتاديهما، إلى جانب قيامها بتوفير خدمات على مستوى شركات أخرى، على غرار شركة “ألستوم” بمستغانم، والشركة الاسبانية “أندرا” على مستوى باب الزوار، وكذا بنك “نيبتون” وشركة مختصة في التنقيب عن الغاز، مما يثبت من دون شك المخطط الممنهج لمراقبة كل صغيرة وكبيرة من أجل نقل تقارير مفصلة إلى الجهات الأجنبية.
وعلى هذا الأساس، ونظرا لخطورة وقائع الحال، فقد التمس النائب العام لدى محكمة الجنايات الابتدائية للدار البيضاء تسليط أقصى العقوبات على المتهمين المتابعين بجناية جمع وتسليم معلومات لجهات أجنبية من شأنها الإضرار بالاقتصاد الوطني، وجنحتي ممارسة نشاط تجاري خارج عن موضوع السجل التجاري، وممارسة نشاط تجاري من دون رخصة ومخالفة قرار إداري.
المصدر: الشروق
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس





