اتفاق مبادئ سد النهضة: الملجأ الإثيوبي المفضل لتعطيل المفاوضات

5
اتفاق مبادئ سد النهضة: الملجأ الإثيوبي المفضل لتعطيل المفاوضات
اتفاق مبادئ سد النهضة: الملجأ الإثيوبي المفضل لتعطيل المفاوضات

افريقيا برسمصر. أصبح معتاداً في كل محطة تتفاقم فيها أزمة سد النهضة، أن تلجأ إثيوبيا للترويج السياسي والإعلامي لما تصفه بـ”مخالفة مصر لاتفاق المبادئ” المبرم في مارس/آذار 2015، وأن تطالب بالعودة إلى الإطار التطبيقي لهذا الاتفاق، كما صدر على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية دينا مفتي والسفير الإثيوبي في القاهرة ماركوس تيكلي خلال الأيام الماضية، في محاولة للرد على الهجوم المصري السوداني المستمر على التلاعب الإثيوبي بمسار المفاوضات والإصرار على إنجاز الملء الثاني للسد قبل نهاية يوليو/تموز المقبل، من دون اتفاق نهائي ملزم على قواعد الملء والتشغيل.

وبعد ساعات من توجيه الكونغو الديمقراطية، الدولة الرئيس للاتحاد الأفريقي حالياً، دعوة إلى وزراء الخارجية في مصر والسودان وإثيوبيا للمشاركة في اجتماع تحضيري غداً السبت في كينشاسا، لبحث سبل استئناف المفاوضات، استأنف المسؤولون الإثيوبيون، عبر الإعلام المحلي والسفارات الأجنبية، حملتهم ضد مصر والسودان، للزعم بأن المطالب المشتركة بالتوصل إلى اتفاق قبل الملء الثاني، وكذلك المقترح المشترك باستحداث آلية الرباعية الدولية للوساطة “المشكلة من الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة”، تخالف جميعها اتفاق المبادئ. يزعم المسؤولون الإثيوبيون أن المطالب المشتركة بالتوصل إلى اتفاق قبل الملء الثاني تخالف اتفاق المبادئ

هذا الخطاب وصفه مصدر دبلوماسي مصري بأنه “يهدف إلى إهدار الوقت، ويرمي إلى الاستفزاز أيضاً”، خصوصاً أن إثيوبيا تعلم بالمقترحات الدائرة في الاتصالات المصرية السودانية، والتي كشفتها “العربي الجديد” في فبراير/شباط الماضي، بالانسحاب الفردي، أو الثنائي، من الاتفاق، كنوع من تعرية الموقف الإثيوبي. وأضاف المصدر، لـ”العربي الجديد”، أن بعض المسؤولين في مصر والسودان يطرحون أسباباً للتردد في هذه الخطوة خشية الفشل في إجبار إثيوبيا على تقديم أي تنازلات إذا انقضى اتفاق المبادئ، وخشية المتاجرة الدبلوماسية من أديس أبابا بأن خطوة الانسحاب تتناقض مع الرغبة في التوصل إلى اتفاق، أو اعتبارها مقدمة للحل العسكري الذي لوح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي به للمرة الأولى، الثلاثاء الماضي.

ووفقاً للمقترح المتداول، فإن الانسحاب من الاتفاق قد يكون في صورة إعلان ثنائي من القاهرة والخرطوم، ومن المطروح أيضاً أن تسبق دولة الأخرى إلى ذلك، كنوع من التنسيق التكتيكي بينهما. وفي الحالتين سيكون الانسحاب خطوة مباشرة للجوء إلى مجلس الأمن بشكوى رسمية جديدة ضد إثيوبيا. الأكيد أن إثيوبيا لم تقدم أي تنازل على مدار خمس سنوات من التفاوض بعد إبرام هذا الاتفاق، بل أصبح تكية تستند إليها لتبرير تمسكها بالتحكم السيادي في السد. فالاتفاق أدى في الواقع إلى تخلي مصر عن زمام المبادرة، وخسارة العديد من الأوراق التي كانت تلوّح بها سابقاً، وعادت للتهديد بها أخيراً، كالحل العسكري. وأهدى الاتفاق إلى إثيوبيا اعترافاً مطلقاً بحقها في إنشاء السد وملئه وتشغيله، وفرصة واسعة للتلاعب السياسي والدبلوماسي والفني، على الرغم من أن الاتفاق، كانت مصر تسعى إليه بتصور خاص من السيسي، رئيسها الجديد آنذاك، بأنه سيضمن حق الشعب المصري في الحياة، فإذ به ينقلب لصالح إثيوبيا، التي تمكنت حتى اليوم من استخدامه بصورة مربحة لها.

واستندت كل من مصر وإثيوبيا خلال المفاوضات الأخيرة إلى اتفاق المبادئ ذاته لتبرير المقترحات المتعارضة بشأن 5 قضايا رئيسية فنية وقانونية: الأولى مدى إلزامية القواعد الخاصة بالتشغيل والملء الأول والمستمر للسد، والثانية مدى تمتع إثيوبيا بالحق في ملء السد لأول مرة قبل التوصل إلى اتفاق على تلك القواعد، والثالثة كمية المياه التي ستسمح أديس أبابا بتمريرها في أوقات الجفاف والجفاف الممتد. والقضية الرابعة هي استحداث آلية مستدامة لفض النزاعات التي تنشأ بسبب الملء والتشغيل، والخامسة مدى تمتع إثيوبيا بالحق في إنشاء مشاريع على مجرى النيل الأزرق من دون إذن مصر والسودان، بما قد يؤدي إلى المساس بحصتيهما التاريخيتين في مياه النيل.

وأبرز سلبيات اتفاق المبادئ على القاهرة، أنه حمل اعترافاً مصرياً بحق إثيوبيا في بناء السد، الأمر الذي لم تكن مصر قد بادرت به من قبل، وأقر ثانياً بحقها السيادي في إدارته، ولم يقرر أي جزاء قانوني دولي عليها حال مخالفة الاتفاقيات السابق توقيعها في إطار الإدارة المشتركة لمياه النيل، وبصفة خاصة عامي 1902 و1993. وعلى الرغم من أن لجنة الخبراء الدولية، وتقريري المكتبين الاستشاريين اللذين تمت الاستعانة بهما في المفاوضات السابقة، كانت قد أكدت الآثار السلبية الاجتماعية والاقتصادية التي ستلحق بمصر جراء المشروع، إلا أن اتفاق المبادئ، الذي أصر السيسي على توقيعه ويعتبره من إنجازاته، يوفر حماية للتصرفات الإثيوبية الحالية. سيكون الانسحاب من الاتفاق خطوة مباشرة للجوء إلى مجلس الأمن بشكوى رسمية جديدة ضد إثيوبيا

فالمبدأ الخامس من الاتفاق، والذي يتحدث عن التعاون في الملء الأول وإدارة السد، يكتفي بالنص على التشارك في وضع “الخطوط الإرشادية والقواعد” من دون تفاصيل التشغيل، ويجيز لإثيوبيا إعادة ضبط سياسة التشغيل من وقت لآخر، بشرط “إخطار” وليس أخذ رأي أو استئذان مصر والسودان. وتستند إثيوبيا للبند الثاني من هذا المبدأ لتبرر لنفسها وللعالم أن القواعد التي يجب الاتفاق عليها لا يمكن اعتبارها ملزمة بأي حال، لأنها موصوفة في الاتفاق بأنها “استرشادية”، فضلاً عن كونها غير مقتصرة على خطة واحدة يجب اتّباعها، فهي بحسب النص “ستشمل كافة السيناريوهات المختلفة، بالتوازي مع عملية بناء السد”. البند نفسه يحمل نصاً آخر لا يخدم الأهداف المصرية، فهو يتحدث عن “الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد الملء الأول لسد النهضة، والتي ستشمل كافة السيناريوهات المختلفة، بالتوازي مع عملية بناء السد”، ما تعتبره إثيوبيا سنداً لها لتبدأ الملء الأول بالفعل بالتوازي مع المناقشات، طالما أن السد لم يكتمل بناؤه حتى الآن.

وسبق أن ادعى وزير الطاقة والمياه الإثيوبي سيليشي بيكيلي أن بلاده تنفذ المبدأ الخامس من الاتفاق “بالحرف الواحد”، وأنها أطلعت دولتي المصب على جميع الاحتمالات خلال مفاوضات واشنطن، وأن حالة الجفاف تحديداً تقدر احتماليتها بأقل من أربعة في المائة خلال أول عامين وفقاً لأكثر التحليلات تشاؤماً، وأنها تلتزم بعدم الإضرار بالدولتين في تلك الحالة، وأن الإخطار المسبق الوحيد، الذي تكلف به إثيوبيا ضمن الاتفاق، هو إخطار دولتي المصب بأي ظروف غير منظورة أو طارئة تستدعي إعادة الضبط لعملية تشغيل السد. ويتضمن هذا المبدأ بنداً آخر تفسره إثيوبيا لصالحها فقط، هو “الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد التشغيل السنوي لسد النهضة، والتي يجوز لمالك السد ضبطها من وقت لآخر”. وعليه ترى إثيوبيا أن مصر اعترفت بتوقيعها على هذا البند بالسيادة المطلقة لها على السد، وترفض مشاركة مصر والسودان في تحديد قواعد التشغيل طويلة الأمد إلا في حدود التأكد من “عدم الإضرار”، باعتباره مبدأ منصوصاً عليه في الاتفاق ذاته.

وبالتالي فإن القراءة الإثيوبية لهذه العبارات المطاطة وحمالة الأوجه، التي وقّعت عليها مصر والسودان قبل 5 سنوات، تسمح بتملص أديس أبابا من واجباتها الطبيعية وفقاً لقواعد مشاركة الأنهار والقوانين والاتفاقيات الدولية ذات الصلة. كما أنها تقلل من شأن البند الذي ينص على أنه “لضمان استمرارية التعاون والتنسيق حول تشغيل سد النهضة مع خزانات دولتي المصب، سوف تنشئ الدول الثلاث، من خلال الوزارات المعنية بالمياه، آلية تنسيقية مناسبة فيما بينهم”، باعتبار أن الآلية التنسيقية لا يمكن أن تكون ملزمة أو ترتب أضراراً على عدم الالتزام، عكس ما تطالب به مصر من البداية، وانضم لها السودان أخيراً في ذلك.

ولا يخلو المبدأ العاشر من مشاكل أخرى، فهو ينظم “التسوية السلمية للمنازعات”، وهو ما ترتكن إليه إثيوبيا لرفض جميع المقترحات الخاصة بآلية التحكيم الملزمة. فصياغة البند الثاني من المبدأ تفتح باب الوساطة الدولية الملزمة، ولكن بشرط “اتفاق الدول الثلاث على ذلك”، وهو ما لا يتوفر رسمياً في أي وضعية سابقة أو حالية، بدليل إجهاض مفاوضات واشنطن التي كانت أقرب من أي وقت مضى للتوصل إلى اتفاق. كما أن البند الأول يحرم مصر والسودان من إمكانية اللجوء إلى جهات دولية لحسم القضايا العالقة، وينص فقط على أن “تقوم الدول الثلاث بتسوية منازعاتهم الناشئة عن تفسير، أو تطبيق، هذا الاتفاق بالتوافق، من خلال المشاورات أو التفاوض وفقاً لمبدأ حسن النوايا”. اتفاق المبادئ، الذي أصر السيسي على توقيعه، يوفر حماية للتصرفات الإثيوبية الحالية

وتستند إثيوبيا إلى هذه النقطة في معارضتها لآلية الوساطة الرباعية، إذ تزعم أن تغيير دفة التفاوض إلى مسار تشكيل رباعية دولية يتطلب أولاً الاتفاق على حدود الوساطة، وعدم تخطيها البنود التي سبق التوافق عليها في المبدأ العاشر، وهو ما تعتقد مصر والسودان أنه اعتراض مردود، بأن استمرار التفاوض في ظل اتفاق المبادئ والتفسيرات الضيقة التي تصر عليها إثيوبيا لمواده، التي أثبت الواقع العملي أن صياغاتها كانت معيبة إلى حد كبير، أمر غير مقبول بالمرة. كما أن تشكيل الرباعية الدولية بالصورة المقترحة يضمن استفادة إثيوبيا أيضاً من جهود خبراء الاتحاد الأفريقي، الذين سيكونون مع خبراء باقي الأطراف حاضرين للوساطة في صياغة البنود الفنية والقانونية محل الخلاف.

وخلال مؤتمر صحافي عقده في القاهرة، الأربعاء الماضي، قال السفير الإثيوبي لدى مصر ماركوس تيكلي إنه سيتم استئناف المفاوضات قريباً تحت رعاية الاتحاد الأفريقي، متمسكاً بعدم موافقة بلاده على آلية الوساطة الرباعية الدولية المقترحة من السودان ومصر، زاعماً أن بلاده لم تُبلغ بها رسمياً، وأنها سمعت بها عبر وسائل الإعلام فقط. وقبلها بأربع وعشرين ساعة قال السيسي إن “العمل العدائي ضد أي دولة قبيح، وله تأثيرات تمتد لسنوات”، لكنه أضاف، في لهجة تصعيدية غير مسبوقة ملوحاً بالحل العسكري للمرة الأولى: “محدش يقدر ياخد نقطة مياه من مصر، ولو حصل فالمنطقة ستدخل في حالة عدم استقرار لا يتخيلها أحد… ومحدش يتصور أنه بعيد عن قدرة مصر”. وأضاف السيسي أن ملف المياه يشغل المصريين ويشغله بشدة، وأن القاهرة ماضية في خيار التفاوض بجدية وبصورة تحقق الربح للجميع، وأنها لا تهدد أحداً، ولكن المساس بالمياه بالنسبة لمصر خط أحمر. وبعد ذلك بساعات نفذت مصر والسودان فعاليات التدريب الجوي المشترك “نسور النيل ـ 2” في قاعدة مروى الجوية بالسودان، بمشاركة عناصر من القوات الجوية وقوات الصاعقة بكلا البلدين “لتحقيق أقصى استفادة ممكنة للعناصر المشاركة في التخطيط والتنفيذ لإدارة العمليات الجوية وقياس مدى جاهزية واستعداد القوات لتنفيذ عمليات مشتركة على الأهداف المختلفة” حسب بيان مصري.

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي موقع إفريقيا برس وإنما تعبر عن رأي أصحابها

Please enter your comment!
Please enter your name here