أفريقيا برس – موريتانيا. قبل أكثر من 400 مليون سنة، حين كانت اليابسة ما تزال في طور استقبال أول النباتات والحيوانات، ظهر كائن غريب الشكل يشبه جذوع الأشجار العملاقة، لكنه ليس شجرة ولا فطرا كما اعتقد العلماء طويلا.
هذا الكائن، المعروف باسم “بروتوتاكسايتس”، عاد اليوم إلى الواجهة بعد دراسة جديدة نشرت في دورية “ساينس أدفانسز” (Science Advances) على أحافير عُثر عليها في اسكتلندا، تشير إلى أنه قد يمثل فرعا من الحياة انقرض بالكامل ولا يشبه أي كائن حي معروف حاليا.
تفاصيل دقيقة
الأحافير المكتشفة محفوظة في صخور تعود إلى العصر الديفوني المبكر، وهو مرحلة من الزمن الجيولوجي بدأت قبل نحو 419 مليون سنة وانتهت قبل نحو 393 مليون سنة، وشهدت بدايات ازدهار الحياة على اليابسة.
وجدت الأحافير تحديدا في منطقة تشتهر بحفظ تفاصيل دقيقة للكائنات الأولى التي عاشت على اليابسة. ويظهر بروتوتاكسايتس على هيئة أعمدة أو سيقان ضخمة، قد يصل طولها إلى عدة أمتار، كانت تقف عموديا فوق سطح الأرض في زمن لم تكن فيه الأشجار قد ظهرت بعد.
هذا الحجم وحده جعل العلماء يحتارون في تصنيف هذا الكائن منذ اكتشافه في القرن التاسع عشر، فيتساءلون هل هو فطر عملاق؟ أم نبات بدائي؟ أم شيء آخر تماما؟
نمط مستقل
الدراسة الجديدة استخدمت تحاليل مجهرية وكيميائية دقيقة لبنية هذه الأحافير، وقارنتها ببنى النباتات والفطريات المعروفة. والنتيجة كانت مفاجئة، حيث وجد الباحثون أنه لا توجد أنسجة نباتية واضحة، ولا علامات كيميائية نموذجية للفطريات مثل مادة الكيتين.
كما أن التنظيم الداخلي للكائن لا يشبه ما نعرفه في أي مجموعة حية اليوم. لذلك يقترح الباحثون أن بروتوتاكسايتس لا ينتمي إلى النباتات ولا الفطريات ولا الطحالب، بل يمثل نمطا مستقلا للحياة متعددة الخلايا ظهر مبكرا ثم اختفى دون أن يترك سلالة باقية.
هذا الاكتشاف يغيّر نظرتنا إلى تنوع الحياة في الماضي السحيق. فنحن عادة نتصور تاريخ الحياة كسلسلة تؤدي تدريجيا إلى النباتات والحيوانات المعروفة اليوم، لكن بروتوتاكسايتس يوحي بأن الأرض شهدت تجارب كبرى لم يكتب لها الاستمرار. كائنات كبيرة ومعقدة قد تكون هيمنت على بيئاتها لفترة، ثم اندثرت كليا مع تغيّر الظروف البيئية أو ظهور منافسين أكثر كفاءة.
وجود هذا الكائن العملاق في زمن كانت فيه النباتات قصيرة وبسيطة يثير أيضا أسئلة عن دوره البيئي. ربما كان يعيش على المواد العضوية المتحللة في التربة، أو يتغذى على كائنات مجهرية، أو يؤدي دورا شبيها بما تقوم به الفطريات اليوم في تدوير العناصر. لكنه، على عكس الفطريات الحديثة، كان يمثل بنية جسدية ضخمة جعلته واحدا من أبرز معالم المنظر الطبيعي في ذلك العصر المبكر من تاريخ اليابسة.





