باحث مجهول ونظرية مريبة.. كيف فسرت الفيزياء بناء الأهرامات؟

1
باحث مجهول ونظرية مريبة.. كيف فسرت الفيزياء بناء الأهرامات؟
باحث مجهول ونظرية مريبة.. كيف فسرت الفيزياء بناء الأهرامات؟

أفريقيا برس – موريتانيا. عند النقر على اسم الباحث في أي دراسة علمية منشورة، ستأتيك معلومات عن الجهة التي يعمل بها، وصفحته الشخصية على موقع الأبحاث “غوغل سكولار” وبريده المؤسسي.

لكن دراسة لفتت الانتباه مؤخرا، ونشرت في إحدى دوريات دار النشر المرموقة “نيتشر” (Nature)، لا تكشف أي معلومات سوى البريد الإلكتروني الشخصي لمؤلفها، وتقول إنه مقيم في نيويورك، ولم ينتج أي أبحاث تتعلق بالنطاق الخاص بالدراسة الجديدة، وهو علم الآثار.

النظرية التي قدمها هذا الباحث “المجهول” لتفسير بناء الأهرامات تبدو متماسكة، وربما لهذا السبب تحمست دورية “هيرتج ساينس”، التابعة لدار النشر “نيتشر” لنشرها. المتاح فقط من معلومات هو أن اسم الباحث “سيمون أندرياس شورينغ” من نيويورك، كما أن البريد الإلكتروني المتاح لمراسلة الباحث هو بريد شخصي وليس مؤسسي.

تواصلت الجزيرة نت مع الباحث، وأفاد بأنه أستاذ في “الفيزياء الحيوية”، وهو تخصص لا توجد أدنى علاقة تربطه ببناء الأهرامات. وقال في تصريحه للجزيرة نت: “نظرية بناء الأهرامات، وعلم المصريات عموما، هواية أحبها، والجامعة التي أعمل بها لإجراء أبحاث في الفيزياء الحيوية لن تسمح لي بنشر بحث مستندا على هوايتي، ولهذا السبب نشرت مقالتي عن نظرية بناء الهرم الأكبر دون ذكر الانتماء إلى أي جامعة، لذا، يرجى عدم ذكر انتسابي الجامعي عند الحديث عن عملي في بناء الهرم الأكبر”.

ورغم اعترافه بعدم التخصص الذي يؤهله لكتابة بحث عن بناء الهرم الأكبر، فإنه عاد وقال إن “الفيزياء الحيوية تمنحني بلا شك تدريبا وفهما كميا ممتازا، ويسهل ذلك علي مهمة التفكير ثلاثي الأبعاد وإقامة روابط متعددة التخصصات، مثل دراسة البنية في ضوء القيود الفيزيائية والهندسية، أيضا، ولأن علم المصريات ليس مجال عملي الأساسي، فقد أتيحت لي حرية اقتراح نظرية تخالف نظريات بناء المنحدرات الشائعة التي طرحها كبار علماء المصريات”.

نظرية قديمة وتحديات كثيرة

وتقوم النظرية التقليدية على أن المصريين القدماء بنوا الأهرامات باستخدام منحدرات طويلة وسلسلة من السلالم والممرات المائلة لدفع الأحجار الضخمة إلى الأعلى، لكن هذه النظرية تجد تحديا البعض لعدة أسباب، منها أن المسافة الشاهقة التي كان يجب أن تغطيها المنحدرات تعني مجهودا هائلا وطاقة لا تُحصى، حتى بالنسبة للأحجار المتوسطة الحجم.

كما أن المنحدرات الطويلة كانت تحتاج إلى بناء هائل لإعدادها ثم تفكيكها بعد انتهاء البناء، ما يضاعف حجم العمل بلا فائدة مباشرة في بناء الهرم نفسه، إضافة إلى ذلك، فإن الاحتكاك على سطح المنحدر يجعل دفع الأحجار الثقيلة أكثر صعوبة، وحتى استخدام الزيت لتقليل الاحتكاك قد يكون غير عملي، إذ كان على العمال السير والعمل على نفس المنحدر أثناء سحب الأحجار.

كل هذه التحديات دفعت الباحث، الذي أصبح معلوما لدينا، مجهولا لمن يقرأ دراسته، إلى البحث عن نظرية بديلة أكثر واقعية وكفاءة، حاول شرحها في رده على أسئلتنا.

ماذا تقول النظرية الجديدة؟

وتقترح النظرية أن الهرم لم يُبنَ بالطريقة التقليدية عبر منحدرات خارجية، بل تم رفع الأحجار من الداخل باستخدام أنظمة ذكية من البكرات والمنحدرات المنزلقة، تتيح رفع الأحجار الضخمة بسرعة مذهلة وكفاءة عالية.

ووفق النظرية، كان العمال يستطيعون رفع الأحجار ووضعها بسرعة كبيرة، أحيانا حجر واحد في الدقيقة، عن طريق تحريك أوزان داخلية تولد القوة اللازمة لرفع الأحجار إلى المستويات العليا.

وترجح النظرية أن بعض الممرات والغرف داخل الهرم، كانت تُستخدم كمنحدرات داخلية لتحريك الأوزان، بينما كانت الحجرة الأمامية تعمل كرافعة لرفع الأحجار الثقيلة.

وقدمت النظرية تفسيرا لبعض الميزات الغريبة في تصميم الهرم، مثل العلامات على الجدران وبعض الانحرافات في مواقع الغرف، والتي قد تكون نتيجة الحاجة للرافعات الداخلية، وليس لأغراض رمزية أو طقوسية.

أسئلة حول الأطروحة الجديدة

وردا على سؤال حول كيفية وضع حجر كل دقيقة، كما يزعم في نظريته، مع العلم أننا نتعامل مع كتل يصل وزنها إلى حوالي 60 طنا، قال: “الغالبية العظمى من كتل الهرم صغيرة نسبيا (1–10 أطنان) وتم رفعها بسهولة نسبيا باستخدام أنظمة البكرات على الترس الثاني (يعني ذلك أن الحبال تمر مرتين خلال البكرات، وهذا يضاعف عدد الحبال التي تحمل الحجر، والنتيجة أن القوة المطلوبة تصبح نصف الوزن الفعلي للحجر).

وأوضح أنه “في المقابل توجد كتلة صغيرة جدا من الأحجار الثقيلة في حجرة الملك (حوالي 60 طنا) تطلبت تشغيل نظام البكرات على الترس الرابع لتقليل القوة المطلوبة (يعني ذلك، أن الحبال تمر أربع مرات خلال النظام، فتقل القوة المطلوبة إلى ربع الوزن، وهذا مهم جدا للكتل الثقيلة جدا مثل التي في حجرة الملك”.

وأضاف أنه “تم توزيع العمل على جميع أوجه الهرم الأربعة، ما سمح بوضع الكتل بسرعة هائلة، وأدت هذه الطريقة إلى ظهور تقعر وأخدود مركزي في وجوه الهرم كما نراه اليوم”.

وعن احتمالية تأثير قوى الاحتكاك والقيود الفيزيائية للمنحدرات المنزلقة على كفاءة رفع الكتل الضخمة، أوضح في رسالته أن “قوى الاحتكاك في منحدرات الرفع وأنظمة البكرات لم تكن عقبة أمام بناء الأهرامات، بل على العكس، ساعدت في التحكم بالحركة، فقد استخدم القدماء أحجارا مصقولة وزيوتا لتقليل الاحتكاك على المنحدرات، كما تم تجهيز حبال البكرات وخشبها بالصقل والتشحيم لتسهيل رفع الكتل الضخمة، وهذا التصميم الذكي سمح بتحريك الأحجار الثقيلة بسرعة وأمان، مع الاستفادة من الاحتكاك أحيانا كوسيلة توقف مؤقتة تحمي النظام من الانزلاق العكسي”.

وقال إن “نظريته تفسر الفراغات المكتشفة بالهرم الأكبر، والتي هي آثار لمسارات أنظمة البكرات التي استخدمت لرفع الأحجار”.

ورغم أن النظرية طرحت انطلاقا من هرم خوفو، بوصفه الأكثر تعقيدا، فإن صاحبها يؤكد أنها لا تقتصر عليه، بل يمكن تعميمها على معظم الأهرامات المصرية القديمة.

تجاوز غير مقبول

ورغم ما يبدو من منطقية النظرية واتساقها مع العقل والمنطق ومبادئ الفيزياء، إلا أن ذلك لا يشفع للدورية وقوعها في هذا الخطأ الذي وصفه الدكتور محمد شعبان، البروفيسور المصري بجامعة تشونغ تشنغ الوطنية في تايوان، وأحد الناشطين في محاربة الغش الأكاديمي، بأنه “جسيم وغير مقبول”.

وقال إن “قواعد النشر العلمي معروفة وأهمها ذكر المؤسسة البحثية التي ينتمي لها الباحث، لأن ذلك يسهل على المجتمع البحثي مهمة العودة للمؤسسة التي ينتمي لها الباحث، إذا كانت هناك خروقات بحثية غير مقبولة”.

وأضاف أن اللغة التي كتب بها البحث هي لغة باحث محترف في تخصص الفيزياء والهندسة، والنظرية التي يتحدث عنها تبدو منطقية، لذلك فإن من مصلحته أن يتفاخر بما توصل له، أما أن يدفع مقابلا ماديا كبيرا للنشر من أمواله الخاصة، لأنه لم يقحم جامعته في الدراسة، ثم يخفي هويته، فهذا أمر غريب”.

ويتوقع أن يثار كثير من الجدل حول هذه المخالفة، وقد يؤدي ذلك لاحقا إما أن تعالج الدورية هذا الخطأ، أو تسحب البحث، وهذا هو السيناريو الأقرب.

واختتم قائلا “لم تعد الدوريات، حتى الكبيرة والمرموقة مثل نيتشر تخجل من سحب أبحاثها المنشورة، لأن كل ما يعنيها الآن هو أنها حصلت من الباحث على رسوم النشر التي صارت مرتفعة للغاية”.