أفريقيا برس – موريتانيا. عند تقييم أحد العروض الراقصة، فإن أحد أهم المعايير هو الانسجام والتناغم بين الراقصين، بحيث إذا فقد أحدهم الإيقاع الخاص بالعرض، وأصبح أداؤه نشازا، فإن ذلك يؤدي بدوره إلى انهيار العرض.
بالمثل، فإن هذا ما يحدث في الفيزياء والكيمياء وعلوم المواد، فسلوك المادة لا يعتمد على إلكترون واحد منفرد، بل على الحركة المتناغمة للإلكترونات مع بعضها، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى بعض التفاعلات مثل التماسك بين الذرات لتكوين جزيئات، أو موصلية المواد للكهرباء أو عزلها، أو انتقال الطاقة داخل المادة.
ويعرف هذا التفاعل المتناغم في فيزياء الكم باسم “التماسك الكمي”، وفي تقنيات مثل الحوسبة الكمية، تخزن المعلومات في هذه “الترابطات” بين الإلكترونات، وعندما يضيع هذا الانسجام، تضيع المعلومات، وهذا ما يسمى “فقدان الترابط”، وهو أحد أكبر التحديات أمام الحواسيب الكمية.
ولأهمية هذا التفاعل المتناغم، سعى العلماء لرصد هذه العلاقات الدقيقة بين الإلكترونات، لكن المشكلة التي واجهتهم هي أن معظم الأدوات السابقة كانت تسمح برؤية حركة إلكترون منفرد، وهي المشكلة التي نجح فريق علمي مشترك من معهد بول شيرر والمعهد الفيدرالي للتكنولوجيا في لوزان بسويسرا، بالتعاون مع معهد ماكس بلانك للفيزياء النووية وجامعة برن في ألمانيا، في التغلب عليها، باستخدام نبضات أشعة سينية توفرها منشأة الليزر السويسري للإلكترونات الحرة بالأشعة السينية.
وساعد ذلك العلماء في تنفيذ تجربة كان يعتقد لسنوات طويلة أنها شبه مستحيلة، إذ تمكنوا من مشاهدة كيفية تفاعل الإلكترونات مع بعضها البعض داخل الذرة أو الجزيء، وهو الإنجاز الذي أعلنوا عنه في دورية “نيتشر” (Nature)، ووصفوه في بيان نشره موقع “معهد بول شيرر”، بأنه رؤية “رقصة الإلكترونات” معا لأول مرة.
كيف تمت رؤية “رقصة الإلكترونات”؟
ولتحقيق هذا الإنجاز، اعتمد العلماء على نبضات أشعة سينية فائقة الشدة وقصيرة للغاية توفرها المنشأة السويسرية، حيث أرسلوا 3 ومضات دقيقة جدا من الأشعة السينية إلى المادة، وهذه النبضات كانت قصيرة جدا لدرجة أنها تواكب حركة الإلكترونات نفسها، وكانت كل نبضة لها توقيت واتجاه محسوب بدقة شديدة، وهو أمر يشبه محاولة رمي 3 سهام من مسافة كيلومتر واحد لتصيب لوحة رمي السهام بدقة متناهية لا تتجاوز النانومترات.
وهذه النبضات عند إرسالها لا تصور الإلكترونات مباشرة، بل تُربكها قليلا وتجبرها على التفاعل، فلا تتصرف كجسيمات منفصلة، بل تبدأ في الاستجابة الجماعية، ونتيجة لهذا التفاعل، لا تخرج الأشعة كما دخلت، بل تتكون نبضة رابعة جديدة كليا، وهذه النبضة لا يصنعها الجهاز، بل تصنعها الإلكترونات نفسها أثناء تفاعلها.
وهذه النبضة الرابعة تكون بمثابة بصمة للعلاقات بين الإلكترونات، إذ تحمل في شكلها واتجاهها وتوقيتها معلومات دقيقة عن طريقة تفاعل الإلكترونات معا، أي أننا أصبحنا نرى ما يحدث “خلف الكواليس” في عالم الكم.
ويقول كبير العلماء في مركز علوم الفوتون بمعهد بول شيرر غريغور كنوب الذي قاد الدراسة: “أصبحنا نرى إن كانت الإلكترونات تمسك بأيدي بعضها أثناء الرقص، أم ترقص منفردة”.
ولتقريب ما فعله العلماء، يمكن تشبيه ما حدث بملحن ينقر على البيانو 3 نقرات، فكان الناتج الذي حصل عليه الملحن هو لحن جديد يكشف عن كيفية اهتزاز الأوتار معا، وليس فقط صوت كل وتر منفردا، وبالمثل أرسل العلماء (3 نبضات)، وكانت النبضة الرابعة كاشفة عن حركة الإلكترونات معا، وليس حركة إلكترون بمفرده.
وتقول العالمة في مركز علوم الفوتون بمعهد بول شيرر والباحثة الرئيسية في الدراسة آنا صوفيا موريلو كانداس إن “القدرة على التركيز على التفاعلات بين الإلكترونات، تتيح لنا إمكانية تقديم رؤى جديدة كليا، فمثلا في مجال الحواسيب الكمية، فإنه يتيح إنتاج حواسيب أكثر استقرارا وأقل عرضة لفقدان المعلومات، وهو أحد أكبر التحديات في هذا المجال، كما تمتد التطبيقات المحتملة إلى تصميم مواد جديدة بخصائص محسنة لتوصيل الطاقة أو عزلها، وتحسين كفاءة الخلايا الشمسية والبطاريات، فضلًا عن فهم أدق لسلوك الجزيئات الحيوية المعقدة”.





