أفريقيا برس – موريتانيا. قبل حوالي 68 عام، ترك إنسان مجهول أثرا بسيطا لكف يده باللون الأحمر، على جدار في كهف “ليانج ميتاندونو” الجيري في جزيرة مونا جنوب شرق جزيرة سولاويزي، ضمن أرخبيل إندونيسيا، ليصبح هذا الأثر بعد آلاف السنين، أقدم عمل فني صخري معروف حتى الآن، متجاوزا أقدم اكتشاف سابق في المنطقة نفسها بنحو 15 ألف سنة، وفق الدراسة التي نُشرت في مجلة نيتشر (Nature) يوم 21 يناير/كانون الثاني.
لطالما ارتبطت بدايات الفن البشري، في المخيال العلمي والشعبي، بكهوف أوروبا مثل لاسكو وشوفيه؛ لكن خلال العقدين الأخيرين، بدأت الاكتشافات في جنوب شرق آسيا تقلب هذه الصورة رأسا على عقب.
ومع هذا الاكتشاف الجديد، لم تعد سولاويزي مجرد موقع مهم، بل أصبحت مرشحة لتكون أحد أقدم مراكز التعبير الرمزي في تاريخ الإنسان العاقل، وفق أستاذ الجيوكيمياء في جامعة غريفث الأسترالية ماكسيم أوبرت.
ليست كف عادية
يشير الباحث في تصريحات للجزيرة نت إلى أن ما يجعل الاكتشاف لافتا ليس عمره فقط، بل السياق الذي وجد فيه؛ فطبعة اليد القديمة كانت محاطة برسوم أحدث عمرا بكثير، ما يشير إلى أن الكهف نفسه استخدم كموقع فني على مدى زمني طويل جدا.
وتشير تقديرات الفريق إلى أن النشاط الفني في هذا المكان استمر لأكثر من 35 ألف سنة، وصولا إلى نحو 20 ألف عام مضت.
لتقدير عمر الكف، لم يعتمد العلماء على التخمين أو المقارنة الشكلية، بل استخدموا تقنيات متقدمة تعرف بالتأريخ بسلاسل اليورانيوم؛ وهي طريقة تقوم على تحليل ترسبات معدنية دقيقة جدا تشكلت فوق الرسومات أو تحتها بمرور الزمن، ما يسمح بتحديد الحد الأدنى لعمر العمل الفني.
وأظهرت النتائج بوضوح أن طبعة الكف تعود إلى زمن أقدم بكثير مما كان متوقعا، بل إنها أصبحت أقدم دليل مؤرخ بشكل موثوق على الفن الصخري في العالم.
يضيف ماكسيم: “المفاجأة الأخرى أن هذه الطبعة اليدوية ليست نسخة تقليدية مما هو معروف في كهوف أخرى حول العالم. فبعد أن طبعت الكف على الجدار، جرى تعديلها لاحقا بطريقة متعمدة، إذ جرى تضييق الفراغات حول الأصابع، ما جعل شكلها أقرب إلى مخلب منه إلى يد بشرية عادية”
أثار هذا التعديل تساؤلات حول المعنى الرمزي المقصود، أهو محاولة لربط الإنسان بالحيوان؟ أم تعبيرا عن هوية روحية أو أسطورية؟ ووفق الباحث، لا يملك الباحثون إجابة قاطعة، لكنهم يشيرون إلى أن فن سولاويزي المبكر يضم بالفعل مشاهد توحي بعالم رمزي تختلط فيه صفات البشر والحيوانات.
ما علاقة هذه الكف بأستراليا؟
توضح الدراسة أن أهمية هذا الاكتشاف تتجاوز حدود المعرفة بفن صخري قديم، أو موغل في القدم، إذ إن الباحثين يرون أن سكان سولاويزي الذين رسموا هذه الرسومات كانوا على الأرجح جزءا من موجات بشرية أوسع تحركت عبر الجزر الإندونيسية، قبل أن تصل لاحقا إلى الجزر الواقعة في جنوب شرق آسيا، ومنها قارة أستراليا.
يقول ماكسيم إن هذا الاكتشاف يعيد إحياء نقاش قديم في علم الآثار حول توقيت وصول الإنسان الأول إلى كتلة “ساهول” القارية القديمة، التي كانت تضم أستراليا وتسمانيا وغينيا الجديدة؛ فبينما افترضت بعض النظريات أن الاستيطان البشري بدأ قبل نحو 50 ألف عام، تدعم هذه النتائج بقوة الرأي القائل إن البشر وصلوا إلى تلك المناطق قبل 65 ألف عام على الأقل.
كما يعزز الاكتشاف فرضية أن الهجرة البشرية جرت عبر طريق شمالي، مر بجزر مثل سولاويزي وجزر التوابل، بدلا من مسار جنوبي مباشر.
يقول ماكسيم: “لا تكمن أهمية هذه الكف القديمة في جمالها أو تعقيدها، بل في رمزيتها؛ فهي دليل على أن البشر، في مرحلة مبكرة جدا من تاريخهم، لم يكونوا منشغلين بالبقاء فقط، بل كانوا يفكرون، ويرمزون، ويتركون أثرا لمعنى ما”





