الجزائر.. أزمة صحية مُهملة وأخرى اقتصادية مُفتعلة

الجزائر.. أزمة صحية مُهملة وأخرى اقتصادية مُفتعلة
الجزائر.. أزمة صحية مُهملة وأخرى اقتصادية مُفتعلة

أفريقيا برس – الجزائر. صرّح الدكتور محمد يوسفي، رئيس الجمعية الجزائرية لطب الأمراض المعدية أن الوضعية الوبائية الحالية في البلاد مقلقة، وتحصد الأرواح غير المعلن عنها رسميا. إذ صرح لإذاعة قسنطينة «أن عدد الإصابات والوفيات المعلن عنها تخص المتواجدة في المستشفيات فقط، مؤكدا تسجيل وفيات في المنازل والعيادات الخاصة دون أن يجرى لها تحليل «بي سي آر».

ودعا يوسفي «إلى فتح العدد الكافي من الأسرّة وتوفير مادة الأوكسجين لمواجهة ذروة الموجة الرابعة من كورونا، والتي تشهد تسارعا كبيرا في عدد الاصابات».

وحسب ذات المتحدث فإن «أغلبية الإصابات حاليا هي بالمتحور دلتا، والتي تكون في الغالب صعبة وتتطلب الأوكسجين مع خطر الوفيات». وأوميكرون سيمثل أغلبية الإصابات لاحقا بسبب انتشاره السريع، الذي يفوق ثلاث مرات متحور دلتا». وفي الواقع أن الظروف الإقتصادية والاجتماعية المزرية تجعل الناس يموتون «بالقنطة» (من الغيض) ولا يفكر الإنسان كيف يحمي نفسه من «دلتا» ومن «أوميكرون» ولا من أي وباء ولا حتى يحتاط لهما. إذ أن قوته اليومي أصبح في «مهب الريح» بسبب «المضاربة» و»الجشع» والتعتيم على ما يحدث. فلم يكن ينقص الجزائري سوى أن تغلق المخابز وأن يظهر شبح أزمة هذه المادة، التي لا تخلو الموائد بدونها، وأن يخلد في الطوابير التي تتكاثر كالطحالب، في مستنقعات الجشع والمضاربة وغياب رقابة حقيقية على السوق، التي أصبحت غابة حقيقية تسكنها وحوش تمص عرق المواطن ودمه.

طوابير الزيت جاءت لتزيد من رصيدنا في ثقافة الطوابير التي ألفناها وألفتنا ودخل حتى الأطفال في «البزنسة» و»المضاربة» حسب تصريح وزير التجارة «رزيق» الذي منع بيع زيت المائدة للقصر، وهذا القرار جاء بعد اكتشاف أطراف تستعمل الأطفال للمضاربة في هذه المادة. وماذا عن طوابير الحليب، التي تتشكل من كل الفئات والأعمار. طوابير الحليب التي ما زالت بقوتها رغم غيابها لفترة، بسبب النقص الحاد في هذه المادة الأساسية.

المهم أنها كلها مواد ضرورية وأساسية تلك التي يخنق المواطن قبل اقتنائها و»تتهلهل» كرامته يوميا. وكلها مواد ما زالت مدعمة من طرف الحكومة، لكنها سرعان ما بدأ الدعم ينزع عنها من طرف التجار ومن يقف وراء كل هذه الأزمات. فمن يحكم يا ترى؟ بينما يصرح رئيس الحكومة أن «الدولة متمسكة بالدعم لهذه المواد الأساسية، التي ما زالت تباع بالثمن السابق ولم تزد سنتيما واحدا في أسعارها». هذا بعدما صرح أن «كل المواد الاستهلاكية على المستوى العالمي عرفت زيادة رهيبة في الأسعار…» حسبما نقلته جريدة «الخبر» إلا أن الأسعار في ازدياد منذ شهور ومرشحة للصعود وعلى عينك يا حكومة. من يحكم من؟!

فتيل أزمة التراث المشتعلة دائما

تشرع وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام أبوابها على حروب التراث، التي لن تنتهي بين المغرب والجزائر، فلم يعد شغل مواقع التواصل الاجتماعي سوى «التسويق» لبضاعة شحذ «الهمم» البريئة وغير البريئة لزيادة المشاحنات «التراثية» بين البلدين «الشقيقين».

في كل مرة وعشية تصنيف أي من العناصر من طرف اليونيسكو على قوائمها الخاصة بالتراث الثقافي غير المادي، تشتعل المواقع والنفوس بوقائع «السطو». مرة على الكسكسي ومرة على الراي. لكن هذه المرة يتعلق الأمر بما يجري في كواليس أجنحة «اكسبو دبي 2020» وليست المرة الأولى وقد لا تكون الأخيرة.

كتب على صفحة «تبسة» على الفيسبوك: «المروك يسرق صور لبنات جزائريات من الجزائر: سرقة تراث الجزائر عرش أولاد نايل وينسبها لتراثه مع الملكة ذيهيا (المعروفة باسم الملكة ذيهيا الكاهنة في معرض دبي» كما كتب على صفحة «تراث الجزائر البلد القارة»: «سرقة كل ما يخص الجزائر أصبح أمرا لا يجب السكوت عليه، وصلت بهم الجرأة لنيل الملكة ديخيا واللباس النايلي، حين يكون المنصب لمن لايستحقه».

هاهي «حرب» أخرى تشتعل بسبب «تراث أولاد نايل» أو صور لبنات «سيدي نايل» قيل إنها وجدت في الجناح المغربي، وعرضت على أنها جزء من تراث البلد الجار. هذه القضية التي أثارت جدلا كبيرا على مختلف المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي للجزائريين، ووصفت الحادثة بـ»الفضيحة»… ومن بين العناوين التي جاءت في الصحف «المخزن يورط نفسه في فضيحة ثقافية أخرى في إكسبو دبي» (حسب جريدة النهار) بينما عنونت «الشروق» الموضوع بـ»بعد الكسكسي والراي، المخزن المغربي يسطو على تراث أولاد نايل الجزائري! كما انبرت «نوال قاضي» التي تلقب بسفيرة اللباس الجزائري، لهذه القضية عبر عدة قنوات، منها قناة ا»لجزائر» الدولية، التي اتصلت بها عبر الهاتف من قطر، وكذلك تم استضافة مصممة الأزياء محاسن حرز الله في الاستديو لمناقشة هذه المسألة «الخطيرة». وركزت الضيفتان على أننا لا نحسن الترويج في الخارج لتراثنا ولأزيائنا.

وعن سؤال عن الضجة القائمة في اكسبو 2020، فقد لامت الإعلامية نوال قاضي المغرب على فعلته، لكنها ذكرت، معترفة، بأن الجناح المغربي كان رائعا ولا مجال لمقارنته مع الجناح الجزائري، وأن اليونيسكو بقيادة أودري أزولاي تقف بجانب المغرب. كما ذكرت حرز الله أن الصور لبنات عداس (بني عداس) ولبسن لباس أولاد نايل. وفي الواقع فإن الجزائريين كلهم يحتقرون هذه الجماعات ويعتبرونها غير معروفة الأصل ولا يتعاملون معهم إلا للضرورات وللوظائف المسموحة لهم مثل الوشم.

تجدر الإشارة إلى أن «أولاد نايل» هي قبيلة هلالية. وأن «سيدي نايل ولد بفجيج» (فڤيڤ) المغربية ويقال أنه شريف إدريسي.

أما «العداسيات» كما يطلق عليهن فيقمن بوشم النساء في العديد من المناطق (أي ما يعادل الغجريات). إذا كانت من في الصور لهذه الفئة فلا يمكن أن يكون تراثا مقيما من عامة الجزائريين. وليس هناك دليل على أن من في الصور هن «بنات سيدي نايل» أو غيرهن، لأن التصوير أثناء الفترة الاستعمارية للنساء من الإشكاليات الكبيرة التي ما زالت لم تدرس، فالنساء كن يرفضن التصوير والكشف عن شعورهن للمستعمر، وكانت الصور بمثابة انتهاك لخصوصياتهن ولأجسادهن، وهذا مناف لأبسط حقوق الإنسان.

وما شهد به المصور الفرنسي مارك قارانجي، عندما عرض صور (بورتريهات) لنساء، في المركز الثقافي الجزائري في باريس، بمناسبة خمسينية الإستقلال واللائي «قد تم تصويرهن على الهضاب العليا في منطقة القبائل، بغرض إعداد بطاقات هوية لهن، وهذا في السنوات الأخيرة للحرب التحريرية، حيث ذكر أن ذلك العمل يشبه العمل البوليسي. كما ذكر أن تلك النساء صعقنه بنظراتهن»(نقلا عن تي في موند 5). فبالإمكان التساؤل عن تلك النسوة، اللواتي تم تصويرهن بكامل زينتهن وحليهن؟ وأحيانا بصور خادشة لكرامة المرأة والمجتمع عامة.

نعم يمكن القول إنهن «عداسيات» لكن في دورهن، وحسب «محاسن حرز الله» لبسن لباسا وحليا ليس لهن؟ ثم ماذا عن الملكة «ديهيا» التي سرقت أيضا مع النايليات. فهل فعلا لدينا صورة للملكة «ديهيا» التي لقبها العرب بـ»الكاهنة»؟ وللمقاومة «لالا فاطمة ن سومر» حتى نقول إنها سرقت، والتي لا تعدو أن تكون هوامات فنانين مستشرقين أبدعوا وتخيلوا تلك الأيقونات، كما يحلو لهم.

لكن في غياب الدراسات الشاملة والجادة عن التراث الجزائري، نبقى ندور في فلك «السطو» ولا نخرج منه. وهذه الأشياء ممكنة الحدوث أحيانا بدون قصد. كما حدث في معرض «أبو ظبي للتراث» عام 2020، وفي عرض أزياء للباس التقليدي الجزائري، كانت الشاشة الخلفية تظهر صورة عملاقة لصومعة مسجد الكتبية في مراكش ووقتها انتفض المغاربة ضد هذه السرقة، كما وصفت في وضح النهار.

هكذا وباسم التراث والصور التراثية، والأطباق التراثية والموسيقى التراثية يدخل البلدان في «حرب» لا تنتهي تزيد من الهوة بين الشعبين، عوض أن يكون التراث جامعا وملهما. فعلا جاءت اتفاقية 203 لصون التراث الثقافي غير المادي لتحمي العناصر التراثية، لكن في المقابل تشتت الثقافة والعيش المشترك وتوقظ المواجع السياسية، التي كنا نأمل أن تنتهي، فلا يمكن لجدل التراث هذا سوى أن يكون نقمة حلت على الشعوب، لا سيما الشعوب الشقيقة، في لعبة نرجسية وانغلاق ثقافي خطير أكثر من الانزلاقات السياسية.

ولسنا ندري من أين جاء هذا اللقب. هل هو تعيين رسمي أم مواز من الإعلام الموازي؟

كاتبة من الجزائر

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر اليوم عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here