أفريقيا برس – الجزائر. أجمع خبراء الاقتصاد على أن توجيهات الرئيس عبد المجيد تبون بشأن مشروع قانون المالية لسنة 2026 تؤكد تمسك الدولة بحماية القدرة الشرائية للمواطن، مع المضي في إصلاحات جبائية ذكية تشجع الاستثمار المنتج وتغلق الباب أمام المشاريع الشعبوية والاستعراضية.
صادق مجلس الوزراء، مساء الأحد، برئاسة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون على مشروع قانون المالية لسنة 2026 مع إدراج توجيهات الرئيس، والذي شدّد على عدم سنّ أي زيادات تمس القدرة الشرائية للمواطنين، ووضع مخطط لتحديث الديوان الوطني للإحصائيات واستحداث ملاحق له عبر الولايات والبلديات لتوفير رؤية اقتصادية دقيقة، في وقت يضبط البرلمان بغرفتيه استعداداته لاستقبال ومناقشة مشروع القانون الجديد.
كما أمر الرئيس بترسيخ وعاء جبائي فعّال وغير ضاغط لمحاربة التهرب الضريبي، وجعل قانون المالية أداة لتشجيع الاستثمار والمنافسة بعيدا عن القرارات الشعبوية أو المشاريع ذات الطابع الاستعراضي، مع التركيز على الجدوى الاقتصادية الحقيقية والمردودية المضمونة.
وفي قطاع الموارد المائية، أمر الرئيس بتعميق دراسة إنشاء خمس محطات جديدة لتحلية مياه البحر، مع إعطاء الأولوية للمدن ذات الكثافة السكانية العالية والمناطق التي تعاني شحا في الأمطار، خاصة الهضاب العليا، على أن تمتد شبكة توزيع المياه المحلاة لمسافة لا تقل عن 250 كلم من السواحل. كما رفض الرئيس تحويل الأراضي الفلاحية عن طابعها الزراعي لإنجاز مشاريع عمومية، موجها بالبحث عن أوعية عقارية بديلة من الأراضي غير الصالحة للزراعة.
هادف: لا أعباء على المواطن وإصلاحات تخدم الاقتصاد
وأكد الخبير الاقتصادي والمستشار الدولي في التنمية، عبد الرحمن هادف، أن توجيهات رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، حول مشروع قانون المالية لسنة 2026، جاءت لتجدد التأكيد على الطابع الاجتماعي–الاقتصادي المتوازن لسياسة الدولة الجزائرية، حيث تتقاطع العدالة الاجتماعية مع الصرامة الاقتصادية، في إطار رؤية إصلاحية حديثة تهدف إلى بناء اقتصاد منتج وعادل في آن واحد.
وأوضح هادف أن مشروع قانون المالية 2026 لا يُراد له أن يكون مجرد وثيقة مالية تقليدية، بل خريطة طريق جديدة للحوكمة الاقتصادية الرشيدة، تُعيد رسم العلاقة بين الدولة والمواطن ضمن مقاربة تنموية واقعية. فالتأكيد على عدم إدراج أي زيادات أو ضرائب جديدة تمس القدرة الشرائية للمواطنين، يُعد –حسبه– تجسيدا فعليا للبعد الاجتماعي الذي يميز التوجه الاقتصادي الحالي، القائم على إصلاح جبائي ذكي وعادل.
وأضاف أن الإصلاح المالي المنتظر لا يعني التضييق على الفئات المتوسطة والبسيطة، بل يقوم على ترشيد النفقات وتحسين كفاءة التحصيل، مع توسيع الوعاء الجبائي بطريقة مبتكرة تدمج الاقتصاد الموازي وتُحفّز الامتثال الطوعي، دون إرهاق النشاط الاقتصادي. كما شدد على أن محاربة التهرب الجبائي تمثل الحلقة المكملة لهذا المسار، كونها تُعيد للدولة مواردها الحقيقية وتُحقق العدالة الضريبية التي يشعر بها الجميع.
تحول جوهري في آليات اتخاذ القرار الاقتصادي
وفي سياق آخر، يرى الخبير هادف أن توجيه الرئيس نحو إصلاح ديوان الإحصاء واستحداث فروع له على المستوى المحلي يعكس تحولًا جوهريا في آليات اتخاذ القرار الاقتصادي، لأن التخطيط السليم يبدأ من المعلومة الدقيقة والموثوقة. وجود ملاحق إحصائية في الولايات والبلديات –يضيف هادف– سيمكن من بناء سياسات تنموية على معطيات واقعية من الميدان، تُبرز الفوارق المحلية وتكشف الفرص المتاحة، ما يُسهم في دمقرطة المعلومة الاقتصادية وتوسيع قاعدة القرار.
كما أشار إلى أن منع تحويل الأراضي الفلاحية إلى مشاريع صناعية لا يُعد قرارا إداريا فحسب، بل خيارًا استراتيجيًا لحماية الأمن الغذائي الوطني، معتبرا أن الحفاظ على الثروة الزراعية هو خط الدفاع الأول عن السيادة الغذائية، خاصة في ظل التحديات المناخية والغذائية التي يشهدها العالم.
وفي ختام تصريحه، أكد هادف أن حرص رئيس الجمهورية على أن يكون قانون المالية 2026 محفزا للاستثمار المنتج، يعكس إرادة سياسية واضحة في الانتقال من اقتصاد الريع إلى اقتصاد المبادرة والإنتاج، ضمن مناخ استثماري أكثر جاذبية وشفافية واستقرارًا. كما اعتبر أن هذه التوجيهات تمثل مرحلة جديدة من النضج الاقتصادي والمؤسساتي، تجعل من المعرفة والشفافية والإنصاف المالي ركائز لبناء تنمية مستدامة تحفظ كرامة المواطن وتدعم سيادة الوطن.
بريش: رئيس الجمهورية يقطع الطريق أمام المشاريع الاستعراضية
ومن جهته، أكد الخبير الاقتصادي وعضو لجنة الشؤون الاقتصادية والتجارة والتخطيط بالمجلس الشعبي الوطني، عبد القادر بريش، أن التوجيهات التي أسداها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بخصوص إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2025، تعكس بوضوح توجه الدولة نحو ترسيخ نهج اقتصادي واجتماعي متوازن يقوم على حماية المواطن وتحفيز الإنتاج والاستثمار، في آن واحد.
وأوضح بريش أن الرئيس، وكعادته في كل سنة، شدّد على ضرورة أن لا يتضمن مشروع قانون المالية أي زيادات في الضرائب أو الرسوم من شأنها أن تُثقل كاهل المواطنين أو تمس بقدرتهم الشرائية، مؤكدًا أن هذا المبدأ أصبح قاعدة أساسية في السياسة المالية للحكومة.
وأشار بريش إلى أن رئيس الجمهورية وجّه أيضا بضرورة جعل قانون المالية القادم وسيلة لدعم الديناميكية الاقتصادية، من خلال تحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، وتوفير الظروف المناسبة لنمو المؤسسات، بما يسهم في خلق الثروة ومناصب الشغل وتقليص البطالة.
كما دعا إلى تعزيز الحصيلة الجبائية عبر إصلاح المنظومة الضريبية في جوانبها التقنية والإدارية والرقمية، وتحسين آليات التحصيل الجبائي من خلال الرقمنة والحوكمة، مع محاربة كل أشكال التهرب الضريبي وتوسيع الوعاء الجبائي بطريقة عادلة تضمن مساهمة الجميع في تمويل التنمية.
وأضاف المتحدث أن رئيس الجمهورية شدّد على الابتعاد عن المشاريع ذات الطابع الاستعراضي أو الظرفي، داعيًا إلى التركيز على المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية الفعلية، المبنية على دراسات معمّقة لتقييم آثارها التنموية. كما أكّد على أهمية ترشيد النفقات العمومية وتخصيص الموارد المالية وفق أسس علمية واقتصادية دقيقة، بما يضمن الفعالية في تنفيذ البرامج الحكومية وحسن استعمال المال العام.
وختم بريش تصريحه بالتأكيد على أن هذه التوجيهات تؤسس لمقاربة مالية واقتصادية رشيدة، تراعي مصلحة المواطن من جهة، وتعمل على تحقيق التنمية المستدامة من جهة أخرى، من خلال توازن محكم بين متطلبات العدالة الاجتماعية وضرورات الاستقرار المالي للدولة.
يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر عبر موقع أفريقيا برس





