شراء أجهزة حساسة سريًّا من أمريكا لباخرة “باجي مختار 3”!

2
شراء أجهزة حساسة سريًّا من أمريكا لباخرة “باجي مختار 3”!
شراء أجهزة حساسة سريًّا من أمريكا لباخرة “باجي مختار 3”!

نوارة باشوش

أفريقيا برس – الجزائر. بعد قضية عودة البواخر فارغة من ميناء مرسيليا، عصفت فضائح الفساد مرة أخرى بالمؤسسة الوطنية للنقل البحري للمسافرين “ENTMV” التي قامت باقتناء أجهزة حساسة لصالح الباخرة العملاقة باجي مختار 03، من أمريكا بسرية تامة بدون الحصول على تراخيص من وزارة الدفاع الوطني ولا من الجهات الأخرى المؤهلة، وهو ما يعتبر خرقا للقانون الجزائري 410 / 09 المتعلق بتحديد قواعد الأمن المطبقة على النشاطات المنصبة على التجهيزات الحساسة، والأخطر من ذلك فإن المورد الأمريكي قام بإعداد اتفاقية فرضت شروطا مجحفة تمس باستقلالية الشركة من جهة وببعض بنود النظام العام والقوانين الداخلية للدولة الجزائرية.. وما خفي أعظم.

وكيل الجمهورية لدى القطب الجزائي الاقتصادي والمالي، الذي وصف الوقائع بـ”الخطيرة”، التمس نهاية الأسبوع في حق المتهمين توقيع عقوبة 5 سنوات حبسا نافذا، وغرامة مالية نافذة قدرها مليون دينار جزائري مع مصادرة جميع المحجوزات التي تم تجميدها من طرف قاضي التحقيق، في حين قرر رئيس القطب الجزائي الاقتصادي والمالي، النطق بالأحكام في حق المتهمين يوم 10 جوان الجاري.

ويتابع في ملف الحال كل من المتهم “م.س” الذي تولى منصب المدير العام للشركة الوطنية للنقل البحري للمسافرين “ENTMV” من شهر جوان 2022 إلى غاية شهر نوفمبر 2022، إلى جانب المتهم “ل.ر” قائد باخرة باجي مختار 03 المملوكة للشركة الوطنية للنقل البحري للمسافرين ENTMV، وكذا المدعوة “ب.غ” التي شغلت منصب مديرة الإعلام الآلي والاتصال بالشركة الوطنية للنقل البحري للمسافرين ENTMV من تاريخ 1 سبتمبر 2008 إلى غاية شهر جوان 2022 وحاليا تشغل منصب مساعدة المدير العام للشركة.

سرية تامة وتجاوزات خطيرة في عملية الاقتناء

الوقائع انطلقت بناء على تقرير مفصل وارد إلى وزارة النقل من طرف وزارة الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية، بخصوص عملية اقتناء هوائي خاص بالأنترنت لدى الشركة الأمريكية “MTA” المختصة في مجال الاتصالات لفائدة باخرة برج باجي مختار 03، كلّف خزينة المؤسسة 70 ألف يور.

وحسب التقرير ذاته، فإن الصفقة جاءت في سرية تامة من قبل المدير العام السابق للمؤسسة “م.س” وتمت بدون الموافقة المسبقة من المصالح المختصة على غرار وزارة الدفاع الوطني ولا من الجهات الأخرى المؤهلة، بالإضافة إلى ذلك، فإن هذا العتاد متواجد بمخزن تلك الباخرة منذ تاريخ 10 نوفمبر 2022، في حين أن التحقيق الداخلي لمفتشية وزارة النقل توصل إلى تسجيل تبديد أموال عمومية من طرف مسيري الشركة.

مصالح الضبطية القضائية وبأمر من نيابة الجمهورية لدى القطب الجزائي الاقتصادي والمالي، فتحت تحقيقا في وقائع ملف الحال، حيث تبين من خلال التحقيق المتعلق بتحديد مدى احترام الأحكام التشريعية والتنظيمية الخاصة باقتناء هوائي الأنترنت من الشركة الأمريكية “ANUVUMTN” المختصة في مجال الاتصالات البحرية لفائدة سفينة باجي مختار 111، إلى ما يلي:

أولا: وجود نقائص على مستوى الهوائي من نوع VSAT الذي تم تركيبه على مستوى سفينة باجي مختار 03 من طرف الشركة الصينية GSI مما يستدعي ادخال تعديلات عليه أو استبداله بهوائي آخر من أجل تحقيق مشروع الرقمنة في تسيير السفينة وكذا رقمنة المعاملات التجارية على متنها.

ثانيا: العلم بعدم فعالية هذا الهوائي قبل خروج الباخرة من المصنع وعدم قيام الشركة الوطنية للنقل البحري المسافرين بتبليغ ورشة التصنيع I.GSTC et G.S”” بضرورة إدخال تعديلات على هذا الهوائي حسب توصيات المورد الأمريكي المزود للسفن بالأنترنت، حيث رد المتعامل الصيني على ذلك بقوله أن الهوائي “VSAT” المركب على متن السفينة يعد مطابقا لما تم الاتفاق عليه في عقد بناء السفينة وعليه إذا كان لزاما تغيير الهوائي فيجب إرسال ملحق بهذا الخصوص يشمل زيادة في مدة الإنجاز تقدر بـ21 يوما وزيادة في مبلغ السفينة بقيمة 50.300 دولار.

ثالثا: عدم أخذ الشركة البحرية لنقل المسافرين لهذا العرض بعين الاعتبار، ولجوئها لإبرام اتفاقية مع المورد الأمريكي ” ANUVU/MTN ” تتضمن اقتناء هوائي جديد مع تقديم خدمة الإنترنت، حيث كان مبلغ الهوائي الجديد المقدر بـ79.498 دولار أمريكي يفوق العرض المقدم من طرف الشركة الصينية صانعة السفينة مع خطر فقدان مبلغ الضمانات المقدر بـ17.500.000 دولار أمريكي، لو تم تفكيك الهوائي المركب على السفينة واستبداله بهوائي جديد.

رابعا: مخالفة الإجراءات الداخلية لإبرام صفقات الشركة فيما يخص ابرام هذه الاتفاقية بحيث لم يتم القيام بأية مناقصة أو استشارة لاختيار المتعامل المتعاقد وفقا لما تنص عليه مدونة الإجراءات الداخلية الخاصة بصفقات الشركة المصادق عليها من طرف مجلس الإدارة عن طريق اللائحة رقم 01 في الجلسة رقم 2016/03 بتاريخ 30 أوت 2016، بحيث تم التواصل مباشرة مع المورد الأمريكي عن طريق الرسائل الالكترونية من اجل ابرام هذه الاتفاقية.

كما توصلت التحقيقات إلى أن المدير العام للشركة الوطنية للنقل البحري للمسافرين “م.س” قام بالإمضاء على الاتفاقية بصفة انفرادية بدون الحصول على الرأي القانوني من طرف رئيسة خلية الشؤون القانونية وبدون الحصول على الموافقة من قبل مجلس الإدارة للشركة.

والأخطر من ذلك، حسب ما كشفت عنه التحقيقات، فقد تم اقتناء الهوائي الجديد VSAT من دون الحصول على الترخيص المسبق من الجهات المختصة، بحيث يعتبر ذلك مخالفا لنص المادة 14 من المرسوم التنفيذي رقم 410.09 المؤرخ في 10 ديسمبر 2019 المتعلق بتحديد قواعد الأمن المطبقة على النشاطات المنصبة على التجهيزات الحساسة، حيث نص في مواده 04 ـ 14 ـ 20 على إلزامية حصول المتعاملين على تراخيص مسبقة للاقتناء والاستغلال من قبل السلطات المختصة.

وفي هذا السياق، فقد تبين أن الشركة الوطنية للنقل البحري للمسافرين ” ENTMV ” لم تتحصل على الترخيص المسبق الاستغلال محطة” VSAT ” بعد ما تم طلب ذلك وهذا حسب مقتضيات المادة 20 من المرسوم التنفيذي 410.09، حيث قامت الوكالة الوطنية للذبذبات بإعلام الشركة على أن استغلال محطة VSAT لا يتم إلا عن طريق متعامل وطني حاصل على رخصة إقامة واستغلال شبكة عمومية للاتصالات عبر القمر الصناعي تطبيقا لنص المادة 17 مكرر من القرار الوزاري المؤرخ في 5 مارس 2017 المعدل والمتمم للقرار الوزاري المؤرخ في 13 أكتوبر 2010 الذي يحدد شروط وكيفيات اقتناء التجهيزات الحساسة وحيازتها واستغلالها والتنازل عنها.

الطرف الأمريكي يفرض شروطه ويمس بالنظام العام والقانون الجزائري

وبالمقابل، فإن التحقيقات الأمنية والقضائية توصلت أيضا إلى أن الاتفاقية المبرمة من طرف الشركة الوطنية للنقل البحري للمسافرين تعتبر بمثابة عقد انضمام”Contrat d’adhesion” ، حيث تم إعدادها وتحديد شروطها من طرف المورد الأمريكي بصفة منفردة، حيث فرض محتواها مسبقا دون أي مفاوضات، وتضمنت هذه الاتفاقية شروطا مجحفة تمس باستقلالية الشركة الوطنية من جهة، كما تمس بعض بنودها بالنظام العام والقوانين الداخلية للدولة الجزائرية.

أما فيما يخص التنفيذ المادي للاتفاقية، فقد بينت التحقيقات أنه تم استلام الهوائي الجديد بميناء مرسيليا بتاريخ 8 نوفمبر 2022 في ثلاثة صناديق لم يتم فتحها وهي متواجدة بمستودع سفينة باجي مختار03 وبقيت على تلك الحالة دون أن يتم تركيبها على متن السفينة أو إرجاعها للمورد الأمريكي، حيث إن هذا التجهيز ولواحقه يشغلان مساحة تجارية على مستوى السفينة تكفي لنقل سيارتين في كل رحلة وهذا لمدة تتجاوز 11 شهرا.

والأبعد من ذلك، فإنه وبعد عدم الحصول على الترخيص من طرف الوكالة الوطنية للذبذبات، قررت الشركة الوطنية للنقل البحري للمسافرين إرجاع الهوائي إلى المورد الأمريكي، بناء على مراسلته الإلكترونية، المؤرخة في 23 أكتوبر 2023 التي طالبت من خلالها بضرورة تركيب الجهاز وتسديد قيمته قبل 15 نوفمبر 2023 أو إعادة الجهاز مع تحمل مصاريف الشحن من الجزائر إلى أمريكا، حيث إنه بعد عدة رسائل إلكترونية متبادلة ما بين الشركة الوطنية للنقل البحري والمورد الأمريكي في هذا الشأن، تم الاتفاق على أن يكون يوم 7 نوفمبر 2023 هو تاريخ إجراء تفتيش من طرف خبراء المورد الأمريكي للجهاز للتأكد من سلامته وبالتالي إنزاله من السفينة وإعادته إلى أمريكا وهو ما يعتبر تبديدا للمال العام مع سبق الإصرار والترصد.

المتهم الرئيسي: عملية الاقتناء تمت قبل توليتي منصب المدير العام

وخلال استجواب المدير العام للشركة الوطنية للنقل البحري للمسافرين المتهم “م.س”، من طرق رئيس القطب الجزائي الاقتصادي والمالي، أنكر جميع التهم الموجه إليه وأكد أنه تم تنصيبه على رأس المؤسسة ابتداء من شهر جويلية 2023 إلى غاية تاريخ 8 نوفمبر 2023 وهذا بعدما تم إيداع المدير السابق للمؤسسة “إ.كمال” في السجن، وذلك من دون أن تتم إجراءات تسليم واستلام المهام.

وفي تفاصيل وقائع اقتناء الهوائي من قبل المؤسسة الوطنية للنقل البحري للمسافرين من الشركة الأمريكية، لفائدة سفينة باجي مختار 03، قال المتهم إن ذلك تم قبل تنصيبه على رأس المؤسسة الوطنية ENTM، موضحا أن اقتناء هوائي الأنترنيت جاء بطلب من قائد تلك السفينة المدعو “ب.ر” الذي أشار عبر عدة تقارير مرسلة عن طريق البريد الإلكتروني إلى مديرة الإعلام الآلي والاتصالات بالمؤسسة “ب.غ” إلى تذبذب الأنترنت بمجرد دخول الباخرة إلى المياه الإقليمية والموانئ التي ترسو فيها.

وأضاف المتهم أن مديرة الإعلام الآلي والاتصالات بالمؤسسة “ب.غ” قامت بالاتصال بالمتعامل الأمريكي من أجل التكفل بهذا المشكل التقني، حيث تنقل تقنيون من المؤسسة الأمريكية إلى مدينة مرسيليا الفرنسية من أجل الفحص وقت تواجد الباخرة بالميناء، حينها تبين أنها مجهزة بهوائي ذي تردد “BANDE C”، في حين كان من المفروض تجهيزها بهوائي يعمل على الترددات مزدوجة أو تنصيب محول تبلغ قيمته أكثر من قيمة هوائي جديد ذي تكنولوجية عالية وذات قوة ترددية.

وواصل المتهم تصريحاته، قائلا “بعد تنصيبي على رأس المؤسسة طلب مني وزير النقل السابق الإسراع في إجراء عملية الرقمنة داخل كل بواخر المؤسسة، بالإضافة إلى توفير خدمة الأنترنت للزبائن وتسهيل إجراءات الدفع الإلكتروني لكل المشتريات التي تتم على ظهر السفينة من قبل المسافرين، وعلى هذا الأساس طلبت من مديرة الإعلام الآلي والاتصالات بالمؤسسة (ب.غ )، بحكم مسؤوليتها في هذا المجال، العمل على رفع تدفق الانترنيت بالبواخر، كما قامت به في السابق أي خلال سنة 2016”.

وتابع المتهم “المعنية راسلتني عبر البريد الإلكتروني، وأخطرتني أنها أرسلت مشروع اتفاق ما بين المؤسسة الوطنية للنقل البحري للمسافرين والشركة الأمريكية MTN / ANUVU، بخصوص خدمات الانترنت على متن باخرة باجي مختار في طيه عبارة محررة باللغة الفرنسية، تم إرساله إلى المؤسسة الأمريكية من أجل الوضع في صفته الرسمية.

وبالمقابل، نفى المتهم إمضاءه على أي عقد، وقال إنه فقط أمضى على وثيقة إدارية على أساس الموافقة المبدئية من أجل الحصول على الاتفاقية الأصلية المبرمة ما بين المؤسستين، مشيرا إلى أنه لم يتم إخطاره وقت شحن هذا الهوائي على متن باخرة باجي مختار 03 سواء من قبل قائد الباخرة أو مديرة الإعلام الآلي والاتصالات “ب.غ”، غير أن هذه الأخيرة راسلته بعد عملية الشحن عبر البريد الإلكتروني على أساس أن الصندوق الذي بداخله الهوائي متضرر تطلب منه موافاتها بالتوجيهات اللازم اتخاذها، حيث طلب منها إعادته إلى المؤسسة الممونة من أجل إجراء خبرة نظرا لحساسية الجهاز مع تنبيه لها بعدم تنصيب هذا الجهاز إلا بعد الحصول على التراخيص اللازمة من قبل السلطات المختصة في هذا المجال.

ومن جهتها، أنكرت مديرة الإعلام الآلي والاتصالات “ب.غ” بالمؤسسة الوطنية للنقل البحري للمسافرين التهم الموجهة إليها، وقالت إن عقد اقتناء الهوائي للأنترنيت لفائدة باخرة برج باجي مختار، تم إمضاؤه من طرف المدير العام المدعو “م.س” ، موضحة أن هذا الأخير قام بتنحيتها من منصبها لأسباب لا تعرفها إلى حد اليوم.

وعلى نفس النهج، سار عليه قبطان باخرة باجي مختار 03 المتهم “ل.ر” الذي أنكر جميع التهم الموجهة إليه، وقال إنه مجرد قائد باخرة ولا دخل له في الاتفاقيات والاقتناء والشحن وأنه لا تربطه بهذه الوقائع أي علاقة خاصة من ناحية التسيير وهو مكلف فقط بنقل المسافرين من مرسيليا إلى الجزائر.

يمكنكم متابعة المزيد من أخبار و تحليلات عن الجزائر اليوم عبر موقع أفريقيا برس

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here